عهد أخذه على جميع ذرية آدم بأن يقرّوا بربوبيّته لسانا واعترافا ، كما اقرّوا به فطرة وحقيقة وشهودا عقليّا ، كما أخبر عنه تعالى بقوله :
قالُوا بَلى شَهِدْنا
[ 7 / 172 ] .
وعهد خصّ به النبيّين أن يقيموا الدين ، ولا تتفرّقوا ويبلّغوا الرسالة إلى الخلق أجمعين ، كما في قوله :
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ
[ 33 / 7 ] .
وعهد خصّ به العلماء بأن ينصّوا الحقّ ولا يكتموه ، وهو قوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ
[ 3 / 187 ] .
فصل [ تأويل قوله تعالى : « ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ »
]
الضمير في قوله
مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
راجع إلى العهد .
و « الميثاق » صيغة مصدر أريد بها ما يقع به الوثاقة أي الإحكام والمراد به أمّا من قبل اللّه فيما وثّق اللّه به عهده من إنزال الآيات 58 والكتب ، وأما من قبلهم فبما وثّقوه من القبول والالتزام والاستعداد ، ويحتمل أن يراد بها المعنى المصدري .
وكلمة « من » ابتدائية ، لأنّ ابتداء النقض كان بعد الميثاق ، إذ لو كان قبله لم يستحقّوا الذمّ هذا المبلغ ، وفيه إشارة إلى أنّ أولئك الضالّين 59 بعد أن حصّلوا مقدمات علم التوحيد ووصلوا إلى مرتبة يستعدّوا بها لإدراك المعرفة واليقين رجعوا إلى مقام الجحود والإنكار طلبا للرئاسة والجاه ، وترفّعا عن قبول التعلّم ، وإعراضا عن سماع الآيات وانهماكا في طلب اللذات ، حتى صاروا قواطع طريق الحقّ .
فقوله :
وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
معناه : إنّهم كانوا يقطعون على من هو بصدد السلوك على طريق الحقّ والمشي على صراط التوحيد سبيلهم بإفساد عقائدهم بالشبه المضلّة وانكار المعجزات النبويّة والقدح في حقيّة العلوم الإلهية والآيات والحال انّهم أمروا أن يوصلوا طريق الحقّ والتوحيد ويصلوا رحم القرابة الايمانية