عن موالاة المؤمنين والعلماء ، والتفرقة بين الأنبياء والكتب في التصديق ، وترك الجماعات المفروضة ، وسائر ما فيه ترك خير أو تعاطي شرّ فإنّه يقطع الوصلة بين اللّه وبين العبد المقصودة بالذات من كلّ وصل وفصل .
وهذا عند التحقيق راجع إلى ما ذكر أولا .
و « الأمر » هو القول الطالب للفعل . وقيل : « مع العلوّ والاستعلاء » . وإطلاقه على الأمر الذي هو واحد الأمور تسمية للمفعول به بالمصدر ، فإنّه ممّا يؤمر به ، كما قيل : « له شأن » وهو الطلب والقصد ، يقال : « شأنت شأنه » أي : قصدت قصده .
ثمّ الأمور كلّها في هذا العالم - عالم الخلق - حاصلة بأمره تعالى وقوله ، وهو عالم الأمر كلّه ، لأن أمره وقوله وكلمته ليس من جنس الأصوات والحروف والحركات ؛ بل أمره التكويني جوهر الروح ، كما قال
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ 17 / 85 ]
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
[ 4 / 171 ] وما يحصل منه بواسطة أمره التكويني هو عالم الخلق ، وإذا قطع النظر عن ترتيب الوسائط والأسباب ونسب الكلّ إليه ابتداء كان كل شيء أمره الايجادي ، لعدم المغائرة بين أمره تعالى والمأمور بأمره تعالى في الأمر الايجادي ، بخلاف الأمر التشريعي منه ، أو الأمر الصادر من غيره ، فإنّ الآمر والمأمور به فيهما متغايران كما وقعت إليه الإشارة سابقا .
فصل « وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ »
فسادهم إمّا متعدّ أو لازم :
فالأول كمنعهم عن طاعة الرسول واتّباع شريعته صلّى اللّه عليه وآله ، لأنّ تمام صلاح أهل الأرض بطاعة اللّه والتزام شرائعه ، إذ بهذا الالتزام يندفع الجور والظلم ويبقى الحرث والنسل ، ويتحفّظ الأنواع فيها ويظهر العدل الذي به قامت السماوات .