تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
يرتقي إلى جوار اللّه ومقام قاب قوسين ومقام المكالمة الحقيقية ، وإلى حيث يقول « 1 » : « من رآني فقد رأى الحقّ » و يقول : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبيّ مرسل » . 41 ثمّ لا يخفى على أولى النهي إنّا لا نجد ولا ندري 42 انّ اللّه تعالى ذكر إنّه كلّم أحدا وهو بعد لم يجيء إلى عالم الكون إلّا بني آدم ، فإنّه كلّمهم وهم بعد غير موجودين في العالم ، وأجابوه وهم لم يتولدوا ولم يحدثوا بعد ، فجرى لهم بالجود الربّاني 43 ما جرى لا بالوجود الإنساني - وإلى ذلك المقام سينتهي المنتهى بأن يكون سمعه وبصره ولسانه كما قال في الحديث القدسي « 2 » : « كنت له سمعا وبصرا ولسانا ، فبي يسمع وبي يبصروبي ينطق » وإلى هذا أشار الجنيد حين سئل : « ما النهاية ؟ » فقال : « الرجوع إلى البداية » . وأما معنى قطع هذا الميثاق ونقض العهد الواقع في البداية فهو إنّ تلك الحقيقة الإنسانيّة الموجودة قبل هذه الأكوان الترابيّة في عالم الحضرة الربوبيّة كانت ذات جهات وحيثيّات عقليّة تضاعفت عليها من تضاعيف الإشراقات النورية الوجبيّة وتضاعيف النقائص 44 الإمكانيّة ، وكثرة الازدواجات الحاصلة بين جهات النور والظلمة والوجوب والإمكان ، والكمال والنقصان . فهذه الجهات العقليّة هي أسباب كثرة الأكوان لأفراد الإنسان ، وهي المعبّر عنها بالذرّات المستخرجة بحسب الفطرة ، فإنّه استخرج اللّه من ظهر آدم 45 ذرات بنيه ، واستخرج أيضا من ظهورهم ذريّات ذريّاتهم المودعة فيها إلى يوم القيامة . إذا تصورت هذا فاعلم إنّ المستمعين منهم للخطاب كانوا على ثلاث طبقات : السابقون ، وأصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال ؛ وجعل اللّه لكلّ منهم سمعا وبصرا وفؤادا - على حسب حاله ومقامه . 46
هامش
( 1 ) البخاري : باب التعبير ، 9 / 43 . ( 2 ) الحديث معروف رواه العامة والخاصة بألفاظ مختلفة .