ثمّ نظر إلى السابقين 47 بنظر المحبّة وجعلهم قابلين لنور المحبّة ، كما في قوله :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ 5 / 54 ] ونوّر سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم بأنوار اللطف والكرامة » . فلما قال لهم :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
فسمعوا الخطاب 48 بالسمع المنوّر وشاهدوا الجمال بالأبصار المنوّرة ، وأحبّوا لقائه بالقلوب المنوّرة ، فأجابوه بلسان المحبّة يقينا حقّا وايمانا وتسليما وتعبّدا ورقّا .
وأمّا أصحاب اليمين فسمعوا الخطاب بسمع القابليّة 49 وأبصروا الشواهد بالأبصار الخالية عن الغشاوة ، وفهموا 50 تعريف الوحدانيّة بالقلوب الصافية ، فأجابوه بلسان الايمان 51 تعبّدا ورقّا ، وقالوا :
بَلى
أنت ربّنا ومعبودنا . 52 وأمّا أصحاب الشمال فامتحنوا بإظهار العزّة 53 والعلى ، واحتجبوا برداء الغيرة 54 والكبرياء ، فسمعوا الخطاب من وراء الحجاب ، وعلى السمع وقر البعد ، وعلى الأبصار غشاوة الحجب الظلمانيّة ، وفي القلوب ختم الظلمة 55 لأنها في أكنّة العزّة ، فلم يسمعوه بسمع القبول والطاعة ، فأجابوا 56 بلسان الإقرار جبرا واضطرارا 57 ودهشة وافتقارا .
فقد انكشف لك إنّ لأفراد البشر قبل ورودهم إلى الدنيا هويّات عقليّة مستخرجة من ظهر أبيهم العقلي ، فتجلّى اللّه عليهم قبل وجودهم ، وربّاهم ، وشاهدوه بلاهم ، وسمعوا خطابه ، وأجابوه إقرارا بوحدانيّته وربوبيّته في نشأة سابقة على هذه النشأة لهم .
فصل
واعلم إن للّه تعالى عهدا عامّا أخذه على جميع الموجودات ، وهو أن يطيعوه ويعبدوه ويسبّحوه ويعظّموه ، لأنّ الكلّ حيّ قائم ناطق بحياة سارية في الأشياء من الحيّ القيّوم ، ونور يفيض عليها من نور اللّه الفائض على السماوات والأرض . وعهودا مخصوصة وهي ثلاثة أجناس :