والثاني هو عزل القوى عما خلقت لأجله وعدم استعمالها فيه ، فيوجب تمكين الدواعي النفسانيّة واستيلاء الشهوة والغضب ، وغلبة الوهم على العقل ، فيفسد في أرض البدن التي خلقت هي وقواها لأن يعبدوا اللّه فيها وأنابوا إليه .
وقوله :
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
:
يعني : من فعل ذلك فهو الخاسر ، وذلك إمّا لأنّهم باعوا اللّذات العلى والسعادات القصوى الباقية بهذه اللّذات الخسيسة البدنيّة الفانية ، أو لأنّ لكل أحد في الجنّة أهلا ومنزلا ، فان أطاع اللّه وجده ، وإن عصاه ورثه المؤمنون ، فذلك قوله
إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ 39 / 15 ] .
أو لأنّهم خسروا حسناتهم التي عملوها ، والآية في اليهود - وكانت لهم أعمال بحسب شريعتهم - وفي المنافقين - ولهم أعمال ظاهرة عملوها رياء واتّقاء للناس فحبط ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون .
قال القفّال : « 1 » الخاسر : اسم عامّ يقع على من عمل عملا لا يجزى عليه كالرجل إذا عنى نفسه وصرف وقته في أمر فلم يأت بنفع قيل : « خائب خاسر » لأنّه كمن أعطى شيئا ولم يأخذ بإزائه ما يقوم مقامه ، فسمّى الكفار الذين يسعون في الحياة الدنيا بالمعاصي : خاسرين ، قال تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ 103 / 2 - 3 ] وقال :
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
[ 18 / 103 ] .
أقول : اعلم إنّ أعظم الخسران خسران النفس ، لأنّ وجدان كلّ شيء بعد وجدان الذات وبسببه ، فإذا هلكت هلك عنها كل شيء كما في قوله :
هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
[ 69 / 29 ] .
وتحقيق ذلك إنّ الأفراد الإنسانيّة مشتركة في أنّ لكلّ منها نفس مدركة
هامش
( 1 ) الفخر الرازي : 1 / 366 .