غريبة الجأتها عن مفارقة عالم القدس والطهارة ، وإقليم الخير والسعادة إلى هذا المهوى الذي هو منبع الشرور والآلام ، ومعرض الأمراض والهموم والأعدام .
وحمل بعضهم الأرواح والأجسام المذكورتين في الحديث المذكور على الأرواح الكليّة والأجرام الكليّة ، ونحن قد عملنا في شرح هذا الحديث وتعيين المذكور فيه على كلتا الروايتين رسالة على حدة « 1 » .
وثالثها قول المحقّقين من أهل التوحيد - وهو إنّ الخطاب بقوله تعالى :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
في أخذ الميثاق كان لحقيقة الإنسان 36 الموجودة في العالم الإلهي والصقع الربوبي ، فإنّ لكل نوع طبيعيّ حقيقة عقليّة وصورة مفارقة ومثالا نوريّا في عالم الحقائق العقليّة والمثل الإلهيّة هي صور ما في علم اللّه عند الحكماء الربّانييّن والعرفاء الأقدمين ، وهم كانوا يسمّونها بأرباب الأنواع ، زعما منهم إنّ كلّا منها ملك موكّل بإذن اللّه يحفظ باقي أشخاص ذلك النوع الذي هو صورتها عند اللّه في عالم الصور المفارقة والمثل النوريّة العقليّة ، ونسبته إليها نسبة الأصل إلى الفروع ، ونسبة النور إلى الأظلال .
والفرق بين الحقيقة الإنسانيّة وسائر الحقائق بأنّ كلّا منها مربوب اسم واحد من الأسماء الإلهيّة ، وهذه الحقيقة مظهر الاسم « اللّه » المتضمّن لسائر الأسماء ومربوبه وبأن ليس لأفراد غيرها التنزّل عن المرتبة التي هي عليها ولا الترقّي من مقام إلى مقام حتى ينتهي إلى الحضرة الإلهيّة ، بخلاف هذه الحقيقة الإنسانيّة المستعدّة بصورتها الكونيّة للخلافة الربّانية ، وبصورتها العقليّة 37 للوفاء 38 بالميثاق في النهاية كما للقبول 39 لأخذه وعقده في البداية .
وهذا مما هو محقّق عند القائلين بأنّ للإنسان صعودا وهبوطا بحسب تطوّره في الأطوار ؛ ففي الهبوط نزل من عالم القدس والجنّة بأمره تعالى ، وقوله :
اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
[ 2 / 36 ] 40 وفي الصعود
هامش
( 1 ) لم نعثر بعد على هذه الرسالة وقد ذكر في الرسائل المنسوبة إليه ( ره ) « رسالة في بدء وجود الإنسان » وقال في الذريعة « طبع مع بعض رسائله ( ره ) » ولكن ما رأيتها أيضا .