قال المتكلّمون في إنكار الوجه الثاني وإسقاطه « 1 » : كيف يحتجّ اللّه تعالى على عباده بعهد وميثاق لا يشعرون به ، كما لا يؤاخذهم بما أذهب علمه عن قلوبهم بالسهو والنسيان ، فكيف يجوز أن يعييهم بذلك ويذمّهم .
أقول : إنّ الكلام في تحقيق إخراج الذرّية عن صلب آدم على صورة الذرّ عميق خارج عن طور أهل البحث خروجا شديدا ؛ وبعدت أذهانهم عن دركه بعدا بعيدا ، وقد وقعت الإشارة إليه حيث ذكرنا إنّ للإنسان أنحاء من البعث والحشر .
واعلم إنّ طوائف العلماء ذكروا في توجيه الخطاب الإلهي والكلام الربّاني إلى المعدوم في حال عدمه وجوها :
أحدها ما ذكره القائلون بثبوت المعدومات وشيئيّة الماهيّات قبل وجوداتها كالمعتزلة القائلين بثبوت المعدوم ثبوتا خارجيّا ، وكبعض المتصوّفة القائلين بثبوته ثبوتا علميّا في الأزل ، وهو إن الخطاب مع أفراد البشر حين ثبوتها في الخارج أو في علم اللّه ، وقد أقيمت البراهين على [ بطلان ] شيئيّة المعدوم في الكتب العقليّة وزيّف القول بها بما لا مزيد عليه .
وثانيها ما يبتني إمّا على قول بعض الحكماء القائلين بقدم الأرواح الإنسانيّة أو على القول بتقدّمها على الأبدان بألفي عام ، كما
ورد في الحديث النبوي « 2 » - على قائله وآله السلام - وفي رواية : « خلق اللّه الأرواح قبل الأجسام بأربعة آلاف سنين »
وإنّ الخطاب 34 والعهد وقعا على الأرواح الإنسانيّة قبل تعلّقها بالأبدان العنصريّة .
وهذا أيضا مقدوح - لدلالة البراهين ، القائمة على بطلان تقدّم النفوس 35 بأنحاء وجوداتها المختصّة على الأبدان - فضلا عن قدمها .
وقد ذكر معلم الفلاسفة وجوها من البراهين على أنّ حدوثها بحدوث الأبدان « 3 » وذلك لأنّ المفارقات عن الأجسام وعلائقها لا تغيّر ولا تجدّد لها ولا يسنح لها حالة
هامش
( 1 ) الفخر الرازي : 1 / 365 .
( 2 ) بحار الأنوار : كتاب السماء والعالم : باب 43 : 61 / 132 .
( 3 ) راجع المباحث المشرقية : 2 / 390 . والاسفار الأربعة : 8 / 334 .