وظلمات مضائق هذه القبور ؛ وفائدتهما بالقياس إلى المطرودين بالعرض إعراضهم عن الذكر الحكيم زيادة في بعدهم وطردهم ومعاداتهم لأهل اللطف والكرامة ليفرحوا بما هم عليه من عمارة هذه الدار ، والسعي في تحصيل الأرزاق والأقوات ، وصرف العمر في المعاملات والزراعات خدمة لأهل الحقّ من حيث لا يشعرون .
وأمّا عن الرابع : فبأنّ الآيات الواردة على موافقته ليست بأقلّ من الآيات الواردة على مضادّته بحسب الظاهر ، فالاعتضاد والتأييد بها ليس بأقلّ من القدح والجرح بما يقابلها في ظاهر الأمر ، وتلك مثل قوله [ تعالى ] :
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
[ 45 / 23 ] وقوله :
فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
[ 30 / 29 ] قوله :
وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ
[ 27 / 81 ]
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ 36 / 7 ]
وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
[ 10 / 101 ]
وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
[ 35 / 22 ] إلى غير ذلك من آيات كثيرة في هذا الباب .
وأما عن الخامس : فبأنّ المعنى الواحد كما يختلف أحواله بحسب اختلاف المحالّ والقوابل كذلك يختلف بحسب اختلاف المبادي والفواعل ، بل هذا أشدّ في الاختلاف - كما تقرّر في مقامه - فالشيء الواحد ربما يذمّ ويمدح بالنظر إلى قابلين ، وكذا يقبح ويحسن بالقياس إلى فاعلين .
أو لا ترى إن إهلاك قوم مؤمنين وإيلامهم مدّة في الدنيا قبيح عن الإنسان ، حسن عن اللّه واقع منه ، فلا منافاة بين كون الإضلال مذموما فعله من غيره تعالى ، وممدوحا منه ، لأنّه ذاته بريء من الأغراض الفاسدة ، والأوصاف الرديئة ، فكلّ ما يفعله فهو محض الخير والصلاح ورعاية حال الأنام ، وملاحظة حسن النظام .
فمن قال : « القبيح ليس منه بقبيح » كأنّه أراد ما ذكرناه ، لأنّ كلّ ما يفعله ففيه مصلحة الكلّ وحكمة الإيجاد وخير العباد والبلاد وسياقة الخلق إلى منزل الرشاد وطريق المعاد .