تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
الأول : إنّ الرجل إذا ضلّ باختياره عند حصول شيء من غير أن يكون لذلك الشيء أثر في إضلاله ، فيقال لذلك الشيء « أنه أضلّه » قال تعالى في الأصنام :
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
[ 14 / 36 ] أي ضلّوا بهنّ ؛ وقال :
وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً
[ 71 / 24 ] أي ضلّ بهم كثير من الناس ؛ وكذلك قوله :
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
[ 71 / 6 ] وقوله :
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
[ 9 / 125 ] فالإضلال على هذا المعنى يجوز أن ينسب إلى اللّه تعالى على معنى إنّ الكافرين ضلّوا بسبب الآيات المشتملة على الامتحانات . والثاني : إنّ الإضلال هو التسمية بالضلال ، فيقال : « أضلّه » اي : سمّاه ضالّا وحكم عليه به ، و « أكفر فلانا » إذا سماه كافرا . قال الكميت :
وطائفة قد أكفروني بحبّكم * وطائفة قالوا : مسيء ومذنب
وقال طرفة :
وما زال شربي الراح حتى أضلّني * صديقي وحتّى ساءني بعض ذالكا
أراد : سمّاني ضالّا وهذا الوجه ما ذهب إليه قطرب وكثير من المعتزلة ، ومن أهل اللغة من أنكره . ويجاب عن هذا التأويل بأنّه مع كونه في غاية البعد لا يفي بدفع الإشكال ، فإنّ من سمّاه بذلك وحكم به عليه فلو لم يأت بالضلال لا نقلب علمه جهلا وخبره كذبا وذلك محال ، فالمفضي إلى المحال - وهو عدم إتيان المكلف به - يكون محالا ، فإتيانه بالضلال يكون واجبا ؛ وهذا عين الجبر الذي تفرّون منه فإنّه ملاقيكم لا محالة ، وبه يخرج الجواب عن الوجه الأول لهم كما يعرف بالتأمّل 5 ، مع إن كلّ عاقل يعلم ببديهة عقله سقوط الوجهين . والثالث : أن يكون الإضلال هو التخلية وترك المنع بالقهر والجبر ، فيقال : « أضلّه » اي : خلّاه وضلاله ، كما يقال : « أفسد فلان ابنه » إذا لم يتعهّده بالتأديب .