صحّة أن يقال : « أضللته فما ضلّ » وإذا كان كذلك استحال حمل الإضلال على خلق الضلال .
أقول : وهذه الوجوه الثلاثة في غاية السقوط والاندفاع عند من أحاط بمذاهب الفريقين وأغراضهما :
أما اندفاع الأول : فلأنّ غرضهم من خلق الضلال فيهم ومنعهم وصدّهم عن السبيل هو إنشاء الوسوسة في قلوبهم كما في قوله تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
[ 91 / 7 - 8 ] فعندهم هو الموسوس بالحقيقة .
وأما اندفاع الثاني : فلأنّ نسبة كلّ فعل عندهم إليه تعالى بالخلق وإلى غيره بالكسب ؛ ولا اختصاص لذلك بهذا اللفظ ، فالحال في « أضلّ اللّه » و « أضلّ فرعون » وغيره كالحال في « هدى اللّه » و « هدى رسوله وأولياؤه » وفي غيرهما من الأفعال المنسوبة إليه تعالى تارة وإلى غيره أخرى .
وأما اندفاع الثالث فبأن « هديته فما اهتدى » و « أضللته فما ضلّ » إنّما يصحّان فيما إذا كان الهادي والمضلّ من الممكنات ، وأمّا إذا كان الفاعل هو اللّه بلا مدخليّة أحد فالتخلّف عمّا أوجبه محال .
وأما أدلّتهم العقليّة « 1 » فأوّلها : إنّه تعالى لو خلق الضلال في العبد ثمّ كلّفه بالايمان لكان قد كلّفه بالجمع بين الضدّين ، وذلك سفه وظلم ، وهما محالان عليه تعالى .
وثانيها : لو كان تعالى خالقا للجهل وملبّسا على المكلّفين لما كان مبيّنا لما كلّف به العبد ، والإجماع متحقق على كونه تعالى مبيّنا .
وثالثها : إنّه لو كان كذلك لم يكن لانزال الكتب وبعثة الرسل إليه فائدة - بل كان عبثا وسفها .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 356 .