الضلال على ما قال
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
و
يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ
[ 40 / 34 ] فلو كان المراد بالضلال المضاف هو ما هم فيه كان ذلك إثباتا للثابت وإنّه محال .
فهذه هي الوجوه التي ذكرها صاحب التفسير الكبير عنهم ولم يجب عنها مع كونه أشعريّ المذهب بعيدا عن الاعتزال .
وأقول في الجواب عنها 1 : أمّا مجملا فهو إنّها مكرّرة لا خصوصيّة لها بهذا المقام ، بل يجرى في جميع الأفعال الجارية مجرى الإضلال ، كالختم والطبع والإعماء والإصمام وغيرها - المنسوبة تارة إلى اللّه وتارة إلى العبد - وما من فعل يحدث في هذا العالم - وهو عالم الظلمات والشرور ، وعالم الجهل والغرور - إلّا ويعتريه نقص وآفة وقصور ، ويصحبه شر وفتنة وفتور ، والعالم الذي كلّه خير ونور عالم آخر فيه دار السرور .
وأمّا تفصيلا فلكلّ من هذه الوجوه وجه دفع - إمّا بالنقض ، وإمّا بالمعارضة وإمّا بالحلّ :
أمّا الجواب عمّا ذكروه 2 أولا فبأنّ التكليف للكلّ بالايمان ظاهرا على لسان الرسول والكتاب لا ينافي الشقاوة الأزليّة الثابتة للبعض بالقول الحتم والقضاء الحاكم بإبعاد من هو أهل للطرد والرجم بحسب الفطرة النازلة والقلب القاسي ، والجوهر المظلم الرديّ .
وأما عن الثاني 3 ، فبأنّ نور التبيين والهداية من قبله تعالى عامّ لجميع صحائف القلوب كنور الشمس الذي من قبلها عامّ شامل لجميع صفحات القابليات ، لكن الجهل والالتباس كالظلمة والكدورة ناشئان من تراكم الحجب والقساوة والكثافة والظلمة .
وأما عن الثالث : فبأنّ فائدتهما بالذات راجعة إلى أهل الايمان بتنوير قلوبهم نورا فوق نور - وإصعادهم بالحبل المتين والعروة الوثقى عن هاوية الجهل والغرور