وأمّا عن السادس : فبمثل ما ذكرناه من أنّ الذمّ راجع إلى العباد ، لأنّ فعل القبيح يؤثر فيهم بالتغيير والتصريف لما هم عليه من ضعف الوجود وقوّة القابليّة ، فيغيّرون خلق اللّه ويتغيّرون عن الفطرة التي كانوا عليها ، ويعدلون عن الصراط المستقيم إلى طريق الهاوية والجحيم .
وأمّا عن السابع : فبأنّ سبق الأعمال القبيحة والمعاصي المظلمة والإعراض عن الحقّ ، والخوض في الباطل يؤدّي بالشخص إلى أن يسودّ باطنه ويقسو قلبه بالكليّة ، فينتهي حال من هو كذلك إلى أن لا يؤثّر فيهم الهداية والإرشاد ، ولا ينجع لهم الآيات والنذر ، فيقعون في الضلال البعيد في الدنيا ، ويحترقون بنار الوعيد في الآخرة جزاء لما كانوا عليها ، وذلك بما كسبت قلوبهم .
وأمّا عن الثامن 4 : فبأنّ الفسق ونقض العهد وإن كانا من جملة ما استحقّوا به ظلمة في القلب وضلالا عن الطريق ، لكن الدوام عليهما وعدم التوبة عنهما أوجب عليهم تسبّبهما لظلمة زائدة وضلال بعيد ، وهذا التسبّب ليس بمعنى الفاعليّة والإيجاد ، بل بمعنى الوسيلة والإعداد ، فالفاعل الحقيقي عندهم هو اللّه ، والأفعال السابقة مقرّبات ومعدّات ، أو علامات ومناسبات .
وأمّا عن التاسع : فبأنّ الضلال للفاسقين والمسرفين حاصل بنفس الإضلال المنسوب إليه تعالى ، وإثبات الثابت ليس بمستحيل إذا كان بنفس ذلك الإثبات لا بإثبات مجدّد ، وقد تقرّر في العلوم العقليّة إن تحصيل الحاصل بنفس التحصيل الأول غير مستحيل .
فهذه هي التي سنحت في جواب أدلّة المعتزلة واعتراضاتهم على بطلان تأويل الجبريّة ، وسيأتي تمام الاستبصار وما يهتدي به أهل الاعتبار .
ثمّ لمّا ذكروا تلك الاعتراضات على بطلان تأويلهم قالوا : فوجب المصير إلى وجوه أخرى من التأويل ، وذكروا تلك الوجوه « 1 » :
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 358 ملخصا .