واختلفوا في ملاك هذه الفوقية : أهو الحقارة . أو الجثّة ؟
فقال بعضهم : المراد ما فوقها في الصغر والقلّة ، كقولك لمن يقول « فلان أسفل الناس وأنزلهم » : هو فوق ذلك . تعني به أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والخساسة .
والمحقّقون على هذا ، لأن المقصد تحقير الأوثان ، فكلّما كان المشبّه به أحقر كان المقصود أكمل ، ولأنّه تعالى في بيان إنّه لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير ، فما هو أشدّ حقارة كان أولى بالبيان ؛ ولأنّ الشيء كلّما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره المودعة فيه من اللّه أدلّ على لطفه وعنايته ، فالتمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من الدلالة بالشيء الكبير .
أولا ترى إن البعوضة من عجائب خلق اللّه ، فإنّها صغيرة جدّا ، وخرطومها في غاية الصغر ، ثمّ إنّه مع ذلك مجوّف ، ثمّ الخرطوم مع فرط صغره وكونه مجوّفا يغوص في جلد الفيل والجاموس - على ثخانته - كما يضرب الرجل إصبعه في الخبيص ، وذلك لما ركب اللّه تعالى في خرطومه السمّ .
قال الربيع بن أنس : إن البعوضة تحيي ما جاعت فإذا سمنت ماتت فكذلك القوم الذي ضرب اللّه لهم هذا المثل ، إذا امتلئوا من الدنيا ريّا أخذهم اللّه عند ذلك ثمّ تلا
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
[ 6 / 44 ] .
و
روي عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام إنّه قال « 1 » : « إنّما ضرب اللّه المثل بالبعوضة لأنّ البعوضة على صغر حجمها خلق اللّه فيها جميع ما خلق في الفيل - مع كبره - وزيادة عضوين آخرين ، فأراد اللّه سبحانه أن ينبّه بذلك المؤمنين على لطف خلقه وعجيب صنعه » .
وربما قيل : كيف يضرب اللّه المثل بما دون البعوضة وهي نهاية في القلّة ؟
فيقال : « جناحه أصغر منها بكثير »
وقد ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مثلا للدنيا في قوله « 2 » : « لو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة لما سقى منها الكافر شربة ماء »
هامش
( 1 ) مجمع البيان : في تفسير الآية : 1 / 67 .
( 2 ) الجامع الصغير : 2 / 131 .