وفيها معنى الشرط والجزاء ، ولذلك يجاب بالفاء . وتقديره عند سيبويه : « مهما يكن من شيء فزيد محسن » أي : هو محسن البتة ، وإنّ الإحسان منه عزيمة ، ثمّ أقيم « إمّا » مقام الشرط ، فصار « أمّا فزيد محسن » ثمّ اخّر الفاء إلى الخبر لكراهة وقوع ما شأنه التعقيب في أول الكلام .
فقوله
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
مبتداء ويعلمون خبره ، وكذلك قرينه ، وفي تصدير الجملتين بها تعظيم لأهل الايمان واعتداد بشأنهم وعلمهم ، وذمّ بليغ وإهانة للكافرين على ما قالوا وإسقاط لقولهم عن درجة الاعتبار والضمير في « إنّه » للمثل ، أو ل « أن يضرب » .
و « الحقّ » : القول الصادق الذي لا يسوغ إنكاره ، أو الفعل الصائب الذي لا يجوز تخطئته ، أو العين الثابت الذي لا يحتمل زواله ، من قولهم : « حقّ الأمر » إذا ثبت ووجب و
حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ
[ 10 / 33 ] ومنه « ثوب محقّق » أي : محكم النسج .
يعنى إن العرفاء باللّه وتوحيده وملكوته وكيفيّة إنزال الوحي منه على رسله يعلمون حقيّة الوحي والإنزال وإنّ أكثره من باب ضرب الأمثال للناس وتصوير المعاني الكليّة في قوالب الأمثلة الجزئية لأن يهتدي به الخلائق إلى طريق معرفة الحقائق ، كما في قوله :
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
[ 34 / 6 ] وكقوله :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[ 29 / 43 ] .
وقوله « ما ذا » إمّا كلمة واحدة منصوب المحلّ على أنّه مفعول قدّم على فعله ، كقولك : « ما ذا قال زيد ؟ » وهو حينئذ بمعنى « ما » وحده ؛ أو كلمتان مجعولتان اسما واحدا أوليهما مرفوعة المحل على الابتداء ؛ وثانيتهما لكونها اسما موصولا بمعنى الذي يكون مع صلته خبرا لهما .