فصل [ تحقيق في إرادته تعالى ]
قد مرّ تحقيق الإرادة وإنّها في الحيوان كيفيّة نفسانيّة من جنس المحبّة والكراهة وسائر الأمور النفسانيّة ، ودرجتها في الوجود بعد العلم وقبل القدرة ، واختلفوا في أنها عين الشوق أو غيره .
أقول : الحقّ إن الشوق في الحيوان الحسّي صورة الإرادة في الحيوان النطقي ، كما إنّ الشهوة والغضب في النفس الحسّاسة صورتان للمحبّة والكراهة في النفس العاقلة ، وصورتهما في المادّة الحيوانيّة الجذب للملائم والدفع للمنافر ، وقد أشرنا إلى أنّ لكلّ صورة نفسانيّة مواطن كثيرة فوقها وتحتها ، وكلّما كانت أشدّ نزولا صارت إلى الكثرة والتفرقة أقرب ، وكلّما كانت أعلى رتبة بحسب الوجود صارت إلى جهة الوحدة أميل وعن عالم الكثرة والتفرقة أبعد .
فالإرادة في الواجب تعالى عين علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره والجميع عين ذاته بذاته .
وقال الإمام الرازي في تفسيره الكبير « 1 » : الإرادة ماهيّة يجدها العالم من نفسه ويدرك التفرقة البديهيّة بينها وعلمه وألمه « 2 » ولذته ، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن تصور ماهيّتها محتاجا إلى التعريف .
وقال المتكلّمون : إنّها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر - لا في الوقوع ، بل في الإيقاع - واحترزوا بالقيد الأخير عن القدرة .
واختلفوا في كونه تعالى مريدا ، مع اتفاق المسلمين على اطلاق هذا اللفظ على اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 354 .
( 2 ) المصدر : بين علمه وقدرته وألمه ولذّته .