فصل قوله تعالى مَثَلًا ما بَعُوضَةً
قيل « 1 » : « ما » إبهاميّة تزاد للإبهام والشيوع والعموم وانسداد طرق التقييد ، كقولك : « أطعمني طعاما ما » أي : طعام شئت . أو مزيدة للتأكيد ، كالتي في قوله تعالى :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
[ 3 / 159 ] .
ولا نعنى بالمزيد اللغو الضائع - حاشا الكتاب الإلهي عن ذلك ، بل كلّه هدى وتبيان لقوله تعالى :
هُدىً لِلنَّاسِ
[ 2 / 185 ] وقوله :
تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
[ 16 / 89 ] وإنما يعنى به ما لم يوضع لمعنى مراد منه ، وإنّما وضعت لأن يذكر مع غيره فيفيد له وثاقة وقوّة ، فهو زيادة في الهدى غير قادح فيه .
و « بعوضة » عطف بيان « مثلا » أو مفعول ل « يضرب » و « مثلا » حال تقدّمت عليه لأنها نكرة . أو هما مفعولاه لتضمّنه معنى الجعل . وقرئت بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف ؛ وعلى هذا يحتمل في « ما » وجوه أخر :
أن تكون موصولة حذف صدر صلتها ، كما حذف في قوله « تماما » على الذي أحسن .
وموصوفة بصفة كذلك - ومحلّها النصب بالبدليّة ، على الوجهين .
واستفهاميّة هي المبتدأ ، كأنّه لما ردّ استبعادهم ضرب اللّه الأمثال قال بعده :
« ما البعوضة فما فوقها حتّى لا يضرب بها المثل ، بل له أن يمثّل بما هو أحقر من ذلك » ونظيره : « فلأن لا يبالي بما يهب ، ما دينار وديناران ؟ » .
والبعوض : أصله صفة على فعول من « البعض » ، وهو القطع كالبضع والعضب غلب استعماله على هذا النوع من الحيوان .
وقوله
فَما فَوْقَها
عطف على « بعوضة » أو « ما » - إن جعل اسما - .
هامش
( 1 ) الكشاف : 1 / 204 .