والمجيء ، والجنب ، والقدم ، والوجه ، والعين ، والأعين - وما يجرى مجراها - فمن عرف ما ذكرناه فتح على قلبه باب عظيم من علوم المكاشفات .
فصل في تتمة القول في معنى قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا »
قيل « 1 » : يجوز أن يقع هذه العبارة في كلام الكفرة ، فقالوا : « أما يستحيي ربّ محمّد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت ؟ ! » فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال - وهذا فنّ بديع من الكلام .
واعلم إنّ ما لا يجوز عليه تعالى من المثالب والنقائص ، فيجب أن يسلب عنه تعالى ، ولا يجوز إطلاق ذلك السلب عليه على طريق الإيجاب العدولي ولا على إيجاب سلب المحمول مثلا لا يجوز عليه الجسميّة ، فيجب أن يسلب هي عنه ويقال « ليس هو بجسم » ولا يقال : « هو لا جسم » أو « هو ليس بجسم » .
لأن اثبات المعنى العدولي له وكذا إيجاب المفهوم السلبي عليه يستدعي اتّحاده به ، وذلك يستلزم أن يكون ذلك المعنى إمّا عين ذاته - إن كان ذاته بذاته مصداق ذلك المعنى ومطابق حمله عليها - وهو محال ، لكون ذاته تعالى حقيقة الوجود المجهولة التصوّر ؛ وإما عارضة لذاته إن لم يكن كذلك ، فيلزم التكثّر في صفاته ، وهو أيضا مستحيل - كما بيّن في مقامه .
ثمّ إنّه قال القاضي « 2 » : ما لا يجوز على اللّه من هذا الجنس إثباتا فيجب أن لا يطلق على طريق النفي أيضا عليه ، وإنّما يقال إنّه لا يوصف به ، فأمّا أن يقال :
« لا يستحيي » ويطلق ذلك عليه فمحال - لأنّه يوهم نفي ما يجوز عليه ، وما ذكره تعالى
هامش
( 1 ) الكشاف : 1 / 204 .
( 2 ) راجع التفسير للفخر الرازي : 1 / 350 .