قال القفّال « 1 » : « الكلّ محتمل ، أمّا اليهود فلما في آخر هذه الآية
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
وهذه صفتهم كما دلّت عليه قصّتهم ؛ وأمّا الكفّار والمنافقون فقد ذكر في المدثّر :
وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا
الآية [ 74 / 31 ] وهما المشار إليهما لأنّ السورة مكيّة ، فقد جمع الفريقان ، فإذا ثبت هذا فالكلّ محتمل في هذه الآية ، لأن الثلاثة كانوا متوافقين في إيذاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وقد مضى في هذه السورة إلى هاهنا ذكر الثلاثة جميعا » .
ثمّ قال القفّال : « وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب ، لأن معناه مفيد في نفسه » .
فصل [ الحياء وكيفيّة نسبته إلى اللّه تعالى ]
« الحياء » صفة انفعاليّة تعتري الإنسان تنقبض معها النفس عن ظهور ما يشبه القبيح عند طائفة مخافة أن يعاب به ويذمّ - وإن لم يكن قبيحا في نفسه - وهو من الصفات المحمودة في الإنسان لتوسّطه بين طرفين مذمومين - وهما الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح ، والخجل الذي هو قصور النفس وانحصارها عن الفعل الحسن - .
واشتقاقه من « الحياة » لأنّه انكسار للقوّة الحيوانيّة ، فيمنعها عن أفعالها ، فيقال « حيي الرجل » أي : انكسرت نفسه ، كما يقال : « حشى الحيوان ونسي » « 2 » إذا اعتلّت حشاه ونساه .
واعلم إنّ كلّ صفة تتّصف بها نفس الآدميّين بمشاركة البدن فهي مذمومة في الحقيقة ، كالشهوة والغضب ، والإحساس والتحريك ، والأكل والشرب ، والضحك
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 349 .
( 2 ) النسي : عرق من الورك إلى الكعب .