والبكاء ، والخجل والوجل والحياء ، لأن جميعها مما يعتريها النقص والفساد لأجل التضادّ ، إلّا أنّ المتوسّطة منها بين أطراف هذه الأوصاف والحالات - كالعفّة والشجاعة والحياء - لمّا كانت بمنزلة الخالي عنها - كالماء الفاتر بين الحارّ والبارد يقال له : لا حارّ ولا بارد . وهو بعد غير خارج عن جنس الأضداد ، بل له حصّة من كلّ منهما - عدّت محمودة لأنّها شبيهة بالقوّة ، غير مقتضية لاشتغال النفس بها وانكبابها عليها ، فإنّ النفس كلّما لم تنفعل عن موجبات القوى ودواعيها فهي أقهر على قمعها باكتساب الهيئة الاستعلائيّة عليهما بها يسهل لها الانقطاع عن هذا العالم ، والاتّصال بأجنحة الكروبيّين .
فقد علم إنّ الحياء وما يجرى مجراه من الصفات ليس من الكمالات الحقيقيّة للنفس - فضلا عمّا فوقها - وإله الكلّ أحقّ بأن ينزّه عمّا يوجب الانفعال والانقهار وهو الواحد القهّار .
ولكنّه
قد ورد في الأحاديث « 1 » عن سلمان الفارسي - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ اللّه حييّ كريم يستحيي إذا رفع العبد وإليه يديه أن يردهما صفرا حتّى يضع فيهما خيرا »
و
قد جاء في الحديث أيضا « 2 » : « إنّ اللّه يستحيى من ذي الشيبة المسلم أن يعذّبه »
فلا بدّ فيه من تأويل ؛ وقيل فيه وجهان :
أحدهما - وهو القانون في أمثال ذلك - وهو أن يراد بها نفي المقابلات لتلك الصفات ومباديها ، أو اثبات الغايات لها بدون تلك المبادي ، فإنّ كلّ صفة محمودة تثبت للنفس الإنسانيّة بمشاركة الجسم فلها مبدأ انفعالي وغاية فعليّة وأضداد قبيحة .
فالحياء - مثلا - حالة وصفة عارضة للإنسان ، ولكن لها مبدأ ومنتهى وضدّ :
أمّا المبدأ فهو التغيّر النفساني والانفعال الجسماني الذي يعتريه من خوف أن ينسب
هامش
( 1 ) الجامع الصغير : 1 / 70 .
( 2 ) جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم ( 2 / 387 ) باختلاف في اللفظ .