فصل
وأمّا العرب فقد اشتهر منهم التمثيل بالمحقّرات وبأحقر الأشياء ، فقالوا :
فلان أسمع من قراد « 1 » ، وأطيش من فراشة « 2 » ، وأعزّ من مخّ البعوضة ، وأطير من جرادة وأفسد منها ، وأجرء من الذباب ، وألجّ منه ، وأشبه به منه « 3 » وأجمع من الذرّة ، وأضبط منها .
ومثّلوا أيضا بما لا شيء أصغر منه كالجزء الذي لا يتجزّى ، وبما لا يدرك لتناهيه في الصغر إلّا اللطيف الخبير ، أو بالمعدوم - وهو أخسّ من كلّ شيء لأنّه لا شيء محض - فقالوا : « هذا أصغر مقدارا من الجزء الذي لا يتجزّى » و « هذا أقلّ من اللاشيء في العدد » .
وأمّا العجم فكتاب كليله ودمنة وأشباهه شاهدة على ذلك ، وفي بعضها :
« قالت البعوضة وقد وقعت على نخلة عظيمة عالية وأرادت أن تطير عنها : يا هذه - استمسكي ، فإنّي أريد أن أطير . فقالت النخلة : واللّه ما شعرت بوقوعك ، فكيف أشعر بطيرانك » ؟ ! والعجب إن الجاهل المحجوج ، والغافل المبهوت لا يتعجّب من دقائق لطف اللّه وعناية وإحسانه في خلق البعوضة والعنكبوت ، وجعل يتعجّب في التمثيل بها في الحقارة لشيء ! أو لا يرى « 4 » عجائب البقّة أو النملة أو النحل أو العنكبوت في
هامش
( 1 ) القراد : دويبة تتعلّق بالبعير ونحوه ، يقال لها بالفارسيّة : كنه . قال الميداني : إنه يسمع صوت أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرك لها ( مجمع الأمثال : 1 / 349 ) .
( 2 ) لأنها تلقى نفسها في النار ( مجمع الأمثال : 1 / 438 ) .
( 3 ) اي : أشبه بالذباب من الذباب .
( 4 ) راجع إحياء علوم الدين : 4 / 441 .