فصل
اختلفوا في سبب نزول هذه الآية على أقوال :
الأول ما روي عن ابن عباس وابن مسعود : إن اللّه لمّا ضرب المثلين قبل هذه الآية للمنافقين - يعني قوله :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
[ 2 / 19 ] وقوله :
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ
قال المنافقون « اللّه أعلى وأجلّ من أن يضرب الأمثال » فأنزل هذه الآية .
أقول : ويحتمل إن المنافقين الذين كانوا في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - لقصور حالهم واتّباعهم لقضايا عقولهم الناقصة ، أو لتشبّثهم بأذيال المتفلسفة النافين لعلمه بالجزئيات المتغيّرة - زعموا إن التمثيل بهذه الأشياء الجزئيّة لا يجوز ولا يمكن إلا بآلات ومشاعر جزئيّة ، فكيف يتصوّر أن يقع الوحي بها إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله عند عروجه بروحه إلى المقام الأعلى من عالم الحسّ والتخيّل وتلقيّه للمعارف ، فوقعت الإشارة إلى دفع ما زعموه بأن التمثيل بها - وبما هو أقلّ قدرا وأنزل مرتبة منها - واقع من اللّه ، ولكن العلم بحقيّة ذلك وبكيفيّة الوحي والإنزال لا يمكن إلّا لمن آمن باللّه وآياته وعرف بكيفيّة تلقّي النبي صلّى اللّه عليه وآله القرآن من لدنه ، فيهتدي بذلك ؛ وأمّا الجاهل المغرور بعقله فيقع لأجله في الضلالة .
الثاني عن قتادة والحسن : لما ضرب اللّه المثل بالذباب والعنكبوت تكلّم فيه قوم من المشركين وعابوا ذكره فأنزلت .
الثالث عن ابن عبّاس : إن هذا الطعن وقع من اليهود ، فإنّه لما نزل
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
[ 22 / 73 ] فطعن في أصنامهم بأنّها كالذباب ، وشبّهت عبادتها ببيت العنكبوت قالت اليهود : « أيّ قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب اللّه بهما المثل » ؟ فنزلت .