اهتدائها إلى بناء مسكنها ، وفي حذقها في هندسة بيتها ، وفي جمعها الغذاء ، وادّخارها لنفسها ، وفي إلفها لزوجها وحزمها واحتياطها في خصائص أمورها وحاجاتها .
فترى العنكبوت يبني بيتها على طرف ، فيطلب أولا موضعين متقاربين بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونه ، حتى يمكنه أن يصل بالخيط بين طرفيه ، ثمّ يبتدي فيلقي اللعاب الذي هو خيطه إلى جانب فيلتصق به ، فيعدو إلى الجانب الآخر ، فيحكم الطرف الآخر من الخيط ، ثمّ يحكم كذلك ثانيا وثالثا ويجعل بينهما تناسبا هندسيا ، حتى إذا أحكم معاقد القمط ورتّب الخيوط كاللحمة اشتغل بالتسدية ، فيضيف السدي إلى اللحمة ويحكم العقد على موضع التقاء السدي باللحمة ، ويرعي في جميع ذلك تناسب الهندسة ، ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البقّ والذباب ، ويقعد في زاوية مترصّدا لوقوع الصيد في الشبكة فإذا وقع بادر إلى أخذه وأكله .
فإن عجز عن الصيد كذلك طلب لنفسه زاوية من حائط ، ووصل بين طرفيها بخيط ، ثمّ علّق نفسه منها بخيط آخر ، وبقي متمسّكا في الهواء ينتظر ذبابة تطير ، فإذا طار ذباب رمى نفسه إليه فأخذه ولفّ خيطه على رجله وأحكمه ثمّ أكله .
أفترى إن العنكبوت يعلم هذه الصنعة من نفسه وحدسه ، أو علّمه آدمي ، أو لا هادي له ولا معلّم ؟ ! أفيشكّ ذو بصيرة إنّه مسكين عاجز من الفكر ؟ ! وكذا النحل وعجائب الحكمة في بناء بيوته أكثر ، وما من حيوان صغير إلّا وفيه من هذه العجائب ممّا لا يحصى .
وذكر في الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجلّيها للبصر الحادّ إلّا تحرّكها ، فإذا سكنت فالسكون يواريها ، ثمّ إذا لوّحت لها بيدك حادت عنها وتجنّبت مضرّتها ؛ أفلا يشهد هذا الحيوان الضعيف بهويّته وشكله وصورته وهدايته وعجائب صنعه لعناية الباري وتعلّق رحمته وإحسانه به ؟ !
تفسير القرآن الكريم — صفحة 197
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٩٧