فليس الكبير أولى بأن يضرب مثلا كالفيل والبعير إذا كان الأليق بحال الممثّل له تمثيله بالحقير - كالذباب والعنكبوت .
فإذا كان المراد تقبيح عبادة الكفرة للأصنام وعدو لهم عن عبادة الرحمن صلح أن يضرب لها المثل بالذباب في عدم اقتدارهم على دفع المضرّة عنهم ، وببيت العنكبوت في وهن عقائدهم الباطلة ، وضعف أصولهم الفاسدة ؛ وفي هذا المقام كلّما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأحكم .
وقد ضرب اللّه الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقّرة ، فمثّل غلّ الصدور بالنخالة ، والقلوب القاسية بالحصاة ، ومخاطبة السفهاء بإثارة الزنابير ، ومثّل بالزوان - وهو حب يخالط البر - وبالخردل والمنخل والأرضة والدود .
قال تعالى « 1 » : « مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيّدة نقيّة فلمّا نام الناس جاء عدوّه فزرع الزوان ، [ فلما نبت الزرع وأثمر العشب غلب عليه الزوان ] « 2 » فقال عبيد الزارع : يا سيّدنا - أليس حنطة جيّدة نقيّة زرعت في قريتك ؟
قال : بلى . قالوا : فمن أين هذا الزوان ؟
[ قال لهم : هذا فعل العدوّ . قالوا : أتريد أن نذهب ونقلع الزوان ؟ ] « 3 » قال :
لعلّكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان تقلعوا معه الحنطة ، دعوهما يتربيّان جميعا [ حتّى الحصاد ] فأمر الحصّادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة ، وأن يربطوه حزما ، ثمّ يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الخزائن .
وافسّر لكم ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيّدة ، وهو أبو البشر ، والقرية هي العالم ، والحنطة الجيّدة النقيّة هو نحن أبناء الملكوت الذين يعملون بطاعة اللّه ،
هامش
( 1 ) إنجيل متى : الباب 13 . والمصنف نقل هذه النصوص من تفسير الفخر الرازي :
1 / 351 .
( 2 ، 3 ) الإضافات بين من الأصل .