ومسفوراتهم - سيّما في العلوم الهندسية - تتميما للتخيّل بالحسّ ، فهناك يضاعف في التمثيل ، حيث يمثّل أولا المعقول بالمتخيل ، ثمّ يمثّل المتخيل بالمرسوم المحسوس المهندس المشّكل .
ونحن نرى الإنسان إذا ذكر معنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال ، فإذا ذكر التشبيه معه أدركه العقل مع معاونة الخيال ، ولا شكّ إن الثاني يكون أكمل ، وذلك لأن من طبع الخيال المحاكات ، فلا يلوح معنى كما ينبغي إلّا إذا ذكر مع المثال الصحيح .
وهذا ممّا لا يخفى استقامته ولا يغبى صحّته على من به أدنى مسكة ، لكن ديدن المحجوج المبهوت والمحجوب المقطوع عن عالم الملكوت لفرط الحيرة والعجز ويعوّل على المكابرة حيثما ينضغط في مضائق المغالطة لدى المناظرة أن يدفع الواضح المستقيم ، لسوء فهمه وآفة طبعه السقيم .
وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الطبع السقيم
فليس بمستنكر من اللّه سبحانه أن يتمثّل الحقير بالحقير ، كما يمثّل الخطير بالخطير ، وإن كان الممثّل المحاكي أعظم من كل عظيم - بل لغاية عظمته يحيط بالصغير كما يحيط بالعظيم ، ولا يعزب عن علمه ذرّة واحدة ممّا في الأرض والسماء ودقيقة من دقائقها ، كما لا يعزب عنه عظائم الأشياء وجلالها ؛ لأنّه مع كلّ شيء لا بمزاولة وغير كلّ شيء لا بمزائلة ، وهو أعلى من كلّ عال في علوّه ، وأدنى من كلّ دان في دنوّه ، فلا يستحيي أن يضرب مثلا بما بعوضة فما فوقها في الحقارة والقلّة .
فمن زعم إن التمثيل بهذه الأشياء الحقيرة لا يليق باللّه فذلك لجهله بالأحكام الإلهيّة ، والأوصاف الربوبيّة ، ورحمته الواسعة ، لأنه تعالى هو الذي خلق بحكمته الكبير والصغير ، ورحمته في كلّ ما خلق وبرء عامّ لأنه أحكم جميعه ، وليس الصغير أخفى وأخفّ عليه من العظيم ، ولا العظيم أجلى له وأصعب عليه من الصغير - بل الكلّ بمنزلة واحدة .