تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢

قوله جلّ اسمه : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 26 ]

إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ ( 26 ) لمّا أثبت اللّه حقيّة القرآن وإعجازه بالدليل ووقع الإيعاد للمنكرين له والوعد للمؤمنين به على أتمّ وجه وأبلغه أراد أن يشير إلى ردّ شبه الكافرين والمنافقين في ذلك « وهي إن ذكر الأشياء الحقيرة الخسيسة لا يليق بكلام الفصحاء ، فالقرآن لاشتماله عليها - كالنحل والذباب والعنكبوت والنمل - لا يكون فصيحا - فضلا عن كونه معجزا . فأجاب بأنّ الحقارة لا تنافي التمثيل بها ، إذ الشرط في المثال أن يكون على وفق الممثّل له من الجهة التي يستدعي التمثيل به كالعظم والحقارة ، والشرف والخساسة لا على وفق من يوقع التمثيل ويضرب المثال ، لأن الغرض الأصلي منه إيضاح المعنى المعقول وإزالة الخفاء عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم العقل ولا يزاحمه ، فإنّ العقل الإنساني ما دام تعلّقه بهذه القوى الحسيّة لا يمكنه إدراك روح المعنى مجرّدا عن مزاحمة الوهم ومحاكاته ، لأنّ من طبعه كالشياطين الدعابة في التخييل وعدم الثبات على صورة . ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهيّة وفشت في عبارات الفصحاء من العرب وغيرهم وكثرت في إشارات الحكماء ومرموزاتهم وصحف الأوائل