ذلك تكرارا ؛ ولذلك قيل للأثافي والأحجار « خوالد » وللجزء الذي يبقى من الإنسان على حاله ما دام حيّا « خلد » ويستعمل أيضا فيما لا دوام له ، كقولهم : « وقف مخلّد » والاشتراك والمجاز خلاف الأصل ولا يلزم شيء منهما إذا كان موضوعا للأعمّ فاستعمل في الأخصّ من جهة اندراجه تحت الأعمّ ، كاطلاق الجسم على الإنسان .
والمراد به هاهنا المعنى الأخصّ ، لدلالة الآيات والأخبار وشهادة العقل على أنّه بمعنى الدوام الذي لا ينقطع ، وإلّا لكان خوف الانقطاع ينغضّ عليهم تلك النعمة وكلّما كانت النعمة أعظم كان خوف انقطاعه أشدّ ، فيلزم أن لا ينفكّ أهل الثواب البتّة عن الغمّ والحسرة ؛ والجهل بسوء العاقبة أو عدمها غير جائز عليهم ، لأنّ الدار دار اليقين لا دار الشكّ والتخمين - فضلا عن اعتقاد خلاف الحقّ .
واعترض هاهنا بأنّ الأبدان مركّبة من أجزاء متضادّة الكيفية ، معرضة للاستحالات والانقلابات المؤدّية إلى الانفكاك والانحلال ، فكيف يعقل خلودها في الجنان ؟
وأجاب بعضهم عنه بأنّه تعالى يعيدها بحيث لا يعتريها الاستحالة ، ولا يعتورها الانفساد ، بأن يجعل أجزاؤها متقاومة في الكيفية متساوية في القوّة ، لا يقوى شيء منها على إحالة الآخر متعانقة لا ينفكّ بعضها عن بعض ، كما يشاهد في بعض المعادن .
وهذا الجواب في غاية الضعف ، فإنّ تجويز كون الأجزاء العنصريّة غير قابلة للاستحالة والانقلاب خروج بها عن طبائعها الأصلية ، واستحكامها في المزاج - كبعض المعدنيّات - لا يفيد التأبيد ، والتساوي في الكيفية والقوّة بحسب الاعتدال الحقيقي - على تقدير إمكانه وحدوثه - ممّا يستحيل بقاؤها أبدا لتناهي الأفاعيل والانفعالات القوى الجسمانية - كما برهن في مقامه ، لا سيّما وقد حقّقنا في موضعه إن الجواهر الطبيعيّة المادّية كلّها لازمة السيلان والتجدّد ، غير منفكّة عن الانتقال والحدثان في كلّ آن بحسب جوهرها وطبيعتها ، كما في قوله [ تعالى ] :
وَتَرَى