تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠

إشارة :

ولأهل الإشارة أن يحملوا الأنهار الجارية على القوى الحيوانيّة الموجودة في الأجسام الحيّة المستمرة الحياة ما شاء اللّه - كالأفلاك والكواكب - فإنّ قواها الحيوانيّة لمّا كانت سارية في أجسامها متجدّدة الوجود متعاقبة الكون حسب تجدّد أزمنتها وأوقاتها ، فهي شبيهة بالمياه الجارية لتجدّدها ومنشئيّتها للحياة ، فيكون الغرض من ذلك إن لهم جنّات هي فوق سماء هذا العالم وكواكبها وقواها التي هي منشأ حيوة الكائنات .

فصل

قوله :
كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ
إمّا صفة ثانية لجنّات ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو جملة مستأنفة ؛ والغرض فيه رفع الاشتباه عن قلب السامع في جنّة بعد ما قرع سمعه وصفها الأول المشابه لجنّات الدنيا وأشجارها التي تجري تحتها الأنهار فكأنّه لما ذكر الوصف الأول اختلج بباله ووقع في خلده إن ثمار تلك الجنّات أشباه ثمار الدنيا فازيح بذلك . والمعنى : كلّ حين رزقوا مرزوقا مبتدأ من الجنان ، مبتدأ من ثمرة قالوا هذا و « كلّما » منصوب على الظرفيّة ، و « رزقا » مفعول به ، و « من » الأولى وكذا الثانية واقعة موقع الحال ؛ قيد « الرزق » بأوليهما ، وأوليهما بثانيتهما ، فصاحب الحال الأولى « رزقا » وصاحب الحال الثانية ضميره المستكنّ في الأولى . وليس المراد ب « الثّمرة » التفّاحة الواحدة أو الرمّانة الفذّة ، وإنّما المراد النوع من أنواع الثمار ، ويحتمل أن يكون الثانية بيانا لها كما في قولك : « رأيت منك أسدا » تريد « أنت أسد » فيراد بالثمرة النوع من الثمار ، والجنّات الواحدة . وقوله تعالى :
هذَا الَّذِي رُزِقْنا
في صحّته ثلاثة وجوه : أحدها إنّ « هذا » إشارة إلى نوع ما رزقوا ، كقولك مشيرا إلى نهر جار : « هذا