التي كانت حاصلة لي في الدنيا لكن اشتدّت لذّتها في الآخرة لما اشتدّ وجودها ظهورا لزوال العائق .
ومعناها على لسان أهل الكشف إن جميع ما في الدنيا من الثمار وغيرها هي قشور وقوالب وأمثلة لما في الآخرة ، وما في الآخرة لبوب وحقائق لما في الدنيا لتطابق العوالم بعضها لبعض وتحاذيها حذو النعل بالنعل .
ولمّا كان وجود الصور المحسوسة التي في الدنيا هي بعينها مبادي حضور الصور التي يدركها الإنسان في باطنه وخياله - لما تقرّر إنّ فاقد الحس لشيء فاقد التصوّر له - والإنسان إذا أدرك واختبر لذات هذا العالم ثمّ زهد فيها - أو تناولها بقدر الحاجة ولم يسرف - حصل في نفسه بواسطة التقوى قوّة عظيمة يكاد بها أن يحضرها عند نفسه متى شاء ، لكن القوّة غير شديدة ما دام كونه في هذا العالم وشواغله ، فإذا خرج عن هذا العالم وزال العائق يجد في الآخرة ما تشتهي نفسه وتلذّ عينه لقوّة الشهوة وشدّة الرغبة ، وكون الإفاضة والرحمة من اللّه مبذولة والعوائق مرتفعة ؛ فكلّ ما اشتهاه في الدنيا يجده مرزوقا عنده في الآخرة فيقول : « هذا الّذي رزقنا من قبل » .
فهذا المسلك لإثبات الجنّة الجسمانيّة ، والأول لإثبات الروحانيّة ؛ والأولى جنّة العلوم ، والثانية جنّة الأعمال ؛ والأولى للروح العقلي والثانية للنفس العمليّة .
قوله تعالى :
وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
موقعه موقع الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير ، كقولك : « نعم ما فعل زيد ورأى وكان صوابا » تصديقا لرأيه .
والضمير على الأول « 1 » راجع إلى ما رزقوا في الدنيا والآخرة ، والمرجع نوع المدلول عليه بقوله :
هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ
أو شخصه من حيث الماهية
هامش
( 1 ) أي : على الأول من القولين الماضيين في قوله تعالى : « هذا الذي رزقنا من قبل » المنقول عن ابن عباس وابن مسعود بأن المشير إليه في الآية ما رزقوا قبل ذلك من أرزاق الدنيا . والقول الثاني : انه من أرزاق الجنة .