رزقنا من قبل » ولا يتاتّى لهم هذا القول في أول ما أوتوا به ، إلا أن يكون إشارة إلى ما تقدّم رزقه في الدنيا .
وثانيهما إن الإنسان بالمألوف آنس ، وإلى المعهود أميل ، فإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه ، ثمّ إذا ظفر بشيء من نوع معهوده ومألوفه على وجه أشرف وأبهى مما ألفه عظم ابتهاجه وسروره ، فأهل الجنة إذا أبصروا ما ألقوه في الدنيا ثمّ وجدوه أشرف وأبهى كان فرحهم به أشدّ وأعظم .
ثمّ القائلون بالقول الثاني اختلفوا فمنهم من يقول : الاشتباه يقع في المنظر والمطعم وغيرهما ، ومنهم من يقول : الاشتباه وإن حصل في اللون لكنّها تكون مختلفة في الطعم ، كما حكي عن الحسن إن أحدهم يؤتى بالصفحة فيأكل منها ، ثمّ يؤتي بأخرى فيراها مثل الأول ، فيقول الملك « كل - فاللون واحد والطعم مختلف »
هداية :
واعلم إن في تحقيق الآية طريقين آخرين أحدهما مسلك الحكماء ذوي الاعتبار ، والثاني مسلك أهل الكشف والاستبصار .
فمعناها على لسان الحكمة إنّ السعادة القصوى ليس إلّا في معرفة ذات اللّه عزّ وجلّ ، ومعرفة صفاته ، ومعرفة أفعاله من الملائكة الكرّوبيّة والروحانيّة ، وطبقات الأرواح وعالم ملكوت السماوات والأرض ؛ وبالجملة بحيث يصير روح العارف كمرآة مجلوّة يحاذى بها لعالم القدس .
ثمّ إنّ هذه المعارف تحصل في الدنيا ولا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج لكون العلائق البدنيّة عائقة عن ظهور تلك السعادة واللذّة ، فإذا زالت هذه العوائق حصلت السعادة الكبرى والغبطة العظمى ، لأنّ المعرفة انقلبت مشاهدة ، والعلم صار عيانا .
فحينئذ نقول : كلّ سعادة روحانيّة يجدها الإنسان بعد الموت فيقول هذه هي