والجواب عنه بوجهين :
أحدهما النقض بجميع أقسام المتضادّين - كالسواد والبياض والحرارة والبرودة وغيرهما - لجريان هذا الوجه فيهما .
وثانيهما بالحلّ ، وهو إن كلّ واحد من الايمان والكفر قابل للشدّة والضعف لأنّ الايمان نور في القلب يشتدّ ويضعف ، وغاية ضعفه هو الاعتقاد الحاصل بالتقليد من غير برهان ولا بصيرة كشفيّة ، وغاية قوّته ما يصير حقّ اليقين بعد أن يكون علم اليقين وعين اليقين .
والكفر أيضا ظلمة قابلة للاشتداد والتضعّف ؛ هذا إن أريد به الاعتقاد المخالف للحق ، كالاعتقاد بالشرك وبمعبوديّة الأصنام والأوثان ، وإن أريد به مجرّد عدم الايمان فهو كسائر الأعدام غير قابلة للكمال والنقص ، وتقابله مع الايمان يكون تقابل العدم والملكة .
فإذا تقرّر هذا فقوله : « والجمع بينهما محال » إن أراد به الجمع بينهما في آن واحد ، فهو ممّا لا خلاف لأحد فيه ، ولا يحتاج دعوى الاستحالة إلى ما ذكره من الوجوه الثلاثة لأنّهما إمّا متضادّان أو متقابلان تقابل الملكة والعدم .
وإن أراد به الجمع بينهما في ذات واحدة - وإن لم يكن في آن واحد - فما ذكره لا يدلّ على استحالة التعاقب بينهما ، فإنّ أحدهما إذا ضعف شيئا فشيئا حتى انمحى أو بطل دفعة - إمّا بزوال أسباب الحصول تدريجا أو دفعة - أمكن طريان الآخر - سواء كان الآخر عدميّا كالجهل البسيط من ضربي الكفر أو وجوديا كالجهل المشفوع بالعناد والاعتقاد المخالف للحقّ منهما سيما إذا قوى الآخر أيضا تدريجا أو دفعة بحصول سببه القوي ، أو تراكم أسبابه الضعيفة وعلله الناقصة حتى صارت تامّة كاملة ؛ وهكذا الحال في تعاقب كل متضادّين أو متقابلين تقابل الملكة والعدم في موضوع واحد .
وأما الوجه الثاني فهو إن المنافاة حاصلة من الجانبين فليس زوال الباقي بطريان الطاري أولى من اندفاع الطاري بقيام الباقي ؛ فأما أن يوجدا معا - وهو محال
تفسير القرآن الكريم — صفحة 177
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٧٧