تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
ووجّه الاستدلال بالثالث بأنّ النار صاعدة بالطبع والشجرة هابطة ؛ وأيضا النار لطيفة نورانيّة والشجرة كثيفة ظلمانية ؛ وهي حارّة يابسة ، وهذه باردة رطبة ؛ فإذا أمسك اللّه تعالى في داخل الشجرة تلك الأجزاء النورانيّة الناريّة فقد جمع بقدرته هذه الأشياء المتنافرة ، فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها . وإنّه تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً
[ 36 / 80 ] - انتهى كلامه . ولا يعجبني شيء من هذه الوجوه التي ذكرها في بيان الاستدلال بتلك الآيات على المعاد ، لأنّ مبناها على إثبات القدرة بإبطال الحكمة ، والاستدلال على صحّة موارد النقل بهدم قواعد العقل ، وتبديل سنّة اللّه في جريان الأشياء ، وليس ذلك ممّا يليق بأهل البصيرة والتحقيق ، بل الحكمة تقتضي البعث ، والطبيعة تجري إلى غايات وتنتهي ببعض الأشياء كالإنسان إلى نشئات ، والحكماء الراسخون قد أثبتوا للطبائع غايات ، وللأعمال مجازاة ، وعليها مكافاة . ولكلّ من الآيات المذكورة وجه وجيه حسن سنتكلّم فيه إن شاء اللّه [ تعالى ] . والطريقة الرابعة : قد هدى الناس فيها إلى حقيّة المعاد بذكره مرتّبا على ذكر المبدإ ، وهذا باب واسع لأهل الاستبصار في تحقيق أحوال المعاد من أحوال المبدإ لما حقّق في مقامه إنّ سلسلة ترتيب الأشياء بداية كسلسلة ترتيبها نهاية ، فبازاء كلّ مرتبة من مراتب إحداهما مرتبة نظيرته من الأخرى - على التكافؤ التعاكسي - إذ الوجود كلّه كدائرة ينعطف على نفسه ويدور على أصله ، فمن إحدى النشأتين تعرف النشأة الأخرى ، وبأحد العينين ينظر إلى ما في الثانية بما في الأولى . فلا تنظر - أيّها الناظر في الأشياء - بالعين العوراء ، كي تتجلى لك جليّة الحال في أسرار المبدإ والمآل ، وتهتدي بنور الفطرة والهداية إلى تحقيق الأحوال
تفسير القرآن الكريم — صفحة 165 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )