فتبتدي من بواطنهم وقلوبهم ثمّ تتعلّق بظواهرهم وجلودهم ، وكلّما نضجت بها جلودهم بدّلهم اللّه جلودا غيرها ليذوقوا العذاب - وهكذا يفعل اللّه بهم إلى أن يقضي اللّه أمرا كان مفعولا .
وكذا القياس في سببيّة الايمان والعمل الصالح من نفوس المؤمنين للارتقاء بها إلى عالم الأنوار وجنّة الأبرار كما في قوله :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
[ 35 / 10 ] فقلوبهم في مقاعد الصدق واليقين ساكنة ، وأبدانهم في بساتين دار الحيوان سائرة ، وهكذا يفعل اللّه بقلوبهم وبأبدانهم فعل صاحب المنزل بالضيف ودابّته حيث يقعده بقربه ويسرح دابّته في بستانه .
وطريقة أخرى :
ذكرها مشفوعة بالقسم لقصور أفهام الأكثرين عن فهم الدليل ، فقال في سورة النحل :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
[ 16 / 38 ] وقال في [ سورة ] التغابن .
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ
[ 66 / 7 ] .
وطريقة أخرى :
أثبت إمكان الحشر والنشر بناء على كونه تعالى قادرا على أمور تشبه الحشر والنشر ، وقد فرّق اللّه تعالى هذه الطريقة على وجوه أشملها وأجمعها ما جاء في سورة الواقعة ، فإنّ المذكور فيها عدّة من آيات المعاد بعضها لدفع الشبه في استحالة وقوعه ، كقوله حكاية عن الكفّار وأصحاب الشمال انهم كانوا يقولون
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
فهذه شبهة واحدة ، وقوله :
أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ
شبهة أخرى ، فأجابهم اللّه تعالى عن هاتين الشبهتين جميعا تعليما لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله بقوله
قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
[ 56 / 46 - 48 ] .
وقد بيّنا تقرير الشبهتين وفسّرنا الجواب مطابقا لكلّ منهما على وجه لم يبق