ولولا الحساب والعقاب ، والجزاء والثواب للزم الجور ، وبطل العدل ، وضاعت الحقوق عن أربابها ، واستقرّت الظلامات على أصحابها ، ولم يبق فرق بين إحسان المحسن وإساءة المسئ ؛ بل لكان النفع ضرّا والضرّ نفعا ، فإن الخير والإحسان في أكثر الأمر يوجب المشقّة والمضرّة ، ونقصان القوّة ، وفوات المال واللذة بحسب الدنيا ؛ والشرّ والإساءة على خلاف ذلك بحسبها ؛ فلا بدّ من نشأة أخرى يقع فيها المجازاة على أعمال الناس وانتقام المظلوم عن الظالم ، وإيصال ذوي الحقوق إلى حقوقهم .
منها في يونس :
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ
[ 10 / 4 ] .
ومنها في طه :
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى
[ 20 / 15 ] ومنها قوله :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
[ 53 / 31 ] .
ومنها قوله تعالى في سورة ص :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
[ 38 / 27 - 28 ] .
وهذه الطريقة عند التحقيق ترجع إلى طريقة إثبات الغايات للموجودات ، فإنّ للأشياء الطبيعية غايات تتوجّه إليها في حركاتها وانقلاباتها وهي نهاياتها الذاتيّة ، وتلك النهايات أيضا موجودات طبيعيّة تتوجّه إلى غايات ذاتيّة أخرى ، وهكذا لكلّ غاية غاية أخرى حتّى يحصل الانتقال من دار الزوال إلى دار القرار ، ومن الطبائع إلى الحقائق - كلّ يرجع إلى أصله ومن الحركة إلى السكون يومئذ لا يتساءلون
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
[ 20 / 108 ] ومن الخلق إلى الحقّ
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
[ 42 / 53 ] ومن الظلم إلى العدل
لا ظُلْمَ الْيَوْمَ