فلم تسقني ، ومرضت فلم تعدني »
وهذا أعظم نزول الحقّ ، فلذلك تجبّرت على الجبابرة وقصمت المتكبّرين وجميع ما تخلق فيها من الآلام التي يجدها الداخلون فمن صفة الغضب الإلهي ، ولا يكون ذلك إلّا عند دخول الخلق فيها ، قال اللّه تعالى :
وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى
[ 20 / 81 ] فان الغضب هاهنا هو عين الألم .
وقال بعضهم « 1 » : « وجميع ما تفعله النار بالكفّار من باب شكر المنعم وإنعامه ، حيث أنعم عليها بأنواع الوقود والحطب ، فما تعرف منه سبحانه إلّا النعمة المطلقة التي لا يشوبها ما يقابلها ، والناس غالطون في شأن خلقها » - وسنزيدك بيانا إن شاء اللّه تعالى .
فصل في الإشارة إلى كون نار الآخرة ذات حقائق متخالفة
قال في الكشاف « 2 » : « فإن قلت : أنار الجحيم كلّها موقدة بالناس والحجارة أم هي نيران شتّى منها [ نار ] بهذه الصفة ؟
قلت : بل هي نيران شتّى : منها نار توقد بالناس والحجارة ، يدلّ على ذلك تنكيرها في قوله ،
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
[ 66 / 6 ]
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى
[ 92 / 14 ] ولعلّ لكفار الجنّ وشياطينهم نارا وقودها الجنّ والشياطين ، كما إنّ لكفرة الإنس نارا وقودها هم ، جزاء لكلّ جنس بما يشاكله من العذاب - انتهى - أقول : قد تكلّم بكلام حسن في بابه يشبه كلام أهل الكشوف .
وكأنّه مما أنطق اللّه بالحقّ لسانه ، وأجرى على وفقه بيانه ، فإن التحقيق إنّ الملذّ والموذي لكلّ جنس هو ما يجانسه ويجانس آلة إدراكه ، فللبصر من باب المبصرات ،
هامش
( 1 ) الفتوحات المكية : الباب السابق : 1 / 298 .
( 2 ) الكشاف : 1 / 195 .