تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
لا تتّقد إلّا بالناس والحجارة وبأنّ غيرها إن أريد إحراق الناس بها أو إحماء الحجارة أوقدت أولا بوقود ثمّ طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه ، وتلك - أعاذنا اللّه منها برحمته الواسعة - توقد بنفس ما يحرق ويحمى بالنار ، وبأنّها لإفراط حرّها وشدّة ذكاها إذا اتّصلت بما لا تشتعل به نار اشتعلت وارتفع لهبها » . أقول : إن نار جهنّم ممتازة عن سائر النيرانات بأمور شتّى : منها انها أخروية غير محسوسة بهذه الحواس الفانية إلا بعد انقلابها إلى النشأة الآخرة ، فعند ذلك يشاهدها الإنسان بعين اليقين ، والعارف يشاهدها الآن بعلم اليقين كما دلّ عليه قوله تعالى :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ . ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ
[ 102 / 5 - 7 ] . ومنها : إنّها كامنة أولا في بواطن الأشياء التي هي وقودها ، ثمّ تبرز من الباطن إلى ظاهرها ، وسائر النيران تستولي أوّلا على ظاهر الحطب وما يجرى مجراه ثمّ تنصرف إلى باطنه . وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى :
كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
[ 17 / 97 ] ولم يقل : « زدناها » دلّ على أنّه كلّما خبت - يعني النار المتسلّطة على أبدانهم - زدناهم - يعني نفوس المعذبين - سعيرا ، فمعناه إن النار تغلب أولا على بواطنهم ثمّ يسري العذاب بها إلى ظواهرهم . ويحتمل أن يكون المراد : كلّما خبت النار في ظواهرهم ووجدوا الراحة من حيث أبدانهم سلّط اللّه عليهم الفكرة في حالهم وعاقبتهم فيما كانوا فيه من الأمور التي لو عملوا بها ولم يعملوا بأضدادها لنالوا السعادة العظمى والغبطة الكبرى ، فيزداد بذلك عذابهم المعنوي أشدّ من حلول العذاب المقرون بتسليط النار المحسوسة على أجسادهم . ومنها إنّ فعل المعاصي والشهوات واللذات يولدها ويقوّيها وفعل التوبة يطفئها