وفيه مع ما مرّ في الآية السابقة دلالة على حقيّة النبوة من وجوه :
أحدها : ما فيهما من التحدّي والتحريض على الجدّ وبذل الوسع وجمع العدد والعدد في المعارضة بالتقريع والتحديد وتعليق الوعيد على عدم الإتيان بما يعارض أقصر سورة من القرآن ، ثم إنّهم مع كثرتهم واشتهارهم بالفصاحة وتهالكهم على المضادّة لم يتصدّوا لمعارضته ، والتجأوا إلى جلاء الوطن والعشيرة وبذل الأرواح والمهج ، وهذا من أقوى الدلائل على إعجاز القرآن لأنّهم - وهم فرسان اللسان - لو كان في إمكانهم ومقدرتهم الإتيان بمثله أو بمثل سورة منه لأتوا به ، وحيث ما أتوا به ظهر العجز وعلم المعجز .
وثانيها : إنّه صلّى اللّه عليه وآله وإن كان متّهما عند الأشرار والكفّار فيما يتّصل بأمر النبوّة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل وكمال الفضل والحزم في معرفة العواقب ، فلو تطرّق الشك أو التهمة إلى ما ادّعاه من النبوّة لما استجرأ في دعواه ولم يتبادر نفسه إلى أن يتحدّاهم بالغا في التحدّي نهايته ، وفي التقريع للخصوم غايته ، بل كان خائفا من وقوعه في فضيحة يعود وبالها على جميع أموره - حاشاه من ذلك صلّى اللّه عليه وآله فلو لا كان على بصيرة في أمره وتثبّت في قول ربّه ، ومعرفة بعجزهم وأمثالهم عن المعارضة لما اجترأ على أن يحملهم على المعارضة بأبلغ وجه وآكده .
وثالثها : إنّه [ لو ] لم يكن قاطعا بصحّة نبوّته لما قطع في الخبر بأنّهم ونظرائهم من أفراد البشر لن يأتوا أبدا بمثل القرآن ، فإنّ الشاكّ المجوّز لوقوع خلاف ما ادّعاه لا يقطع في الكلام هذا المبلغ مخافة أن يظهر خلاف دعواه فتدحض حجّته ، وقد أوجد اللّه مصداق ما أخبره ومطابق ما وعده رسوله حيث إنّه من أوان رسالته صلّى اللّه عليه وآله إلى هذا العصر لم يخل وقت من الأوقات من أعادي الدين وخصماء الإسلام ومن يشتدّ دواعيه في الوقيعة فيه والإطفاء لنوره .
ثمّ إنّه مع ذلك لم توجد المعارضة قطّ ، إذ لو عارضه معارض بشيء لامتنع
تفسير القرآن الكريم — صفحة 148
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٤٨