قضاءه وقدره يوجبان ما يوجبان بتوسيط مقدمات وسوابق وأسباب وبواعث كلّها راجعة إليه أيضا .
ومن جملة تلك الأسباب إرادة العبد وطاعته وذكره وعبادته ، فسوابق الطاعات ومقدمات العبادات من عبد يوجب له التقرّب إلى اللّه زلفى ، وهذا التقرّب قرب معنويّ ودنوّ عقلي بحسب الشرف والفضيلة الذاتيّة - لا بحسب الوضع والرتبة المكانيّة - وأفراد البشر وإن كانت متساوية في الجسميّة والبشريّة لكنّها بعد انتقالاتها وحركاتها إلى الأعراض وتطويرها في الأطوار ، واكتسابها للخيرات والشرور ، واقتنائها للفضائل والرذائل تصير متخالفة الذوات والصفات بحسب البواطن والقلوب .
فمن القلوب ما هو أبيض منير كالشمس ، ومنها ما هو أسود مظلم كالقير ، فهل هذا التفاوت إلّا بأمور ذاتيّة مجعولة من اللّه ، حاصلة من مواهبه وعطاياه ؟ وليست أفراد الإنسان متساوية فيها كما قال تعالى :
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ 39 / 9 ] .
فالنبوّة وإن لم تكن مكسوبة للعبد إلا انها فائضة من اللّه على قلب مطهّر بطهارة الأخلاق والرياضات ، منوّر بنور المعارف والخيرات ، كمن يكنس من جملة عبيد السلطان بيته من الأرجاس والأخباث والكثائف ، وينظفه بفنون التنظيفات ، ويطيّبه بأنواع الطيب والبخورات الحسنة انتظارا لقدومه - بما لم يفعل سائر العبيد والخدّام فليس من الحكمة والعدالة السلطانيّة أن لا ينزل في بيته وينزل في بيت غيره - مع تساوي نسبة قدرة السلطان إلى الجميع .
فهكذا قلب النبي صلّى اللّه عليه وآله كان طاهرا كالسقف المرفوع من جميع الخبائث السفليّة النفسانيّة والصفات البشريّة ، منوّرا كالبيت المعمور بأنوار العلوم والطاعات ، فصار بيت اللّه مورد آيات بينات منه فيه مقام إبراهيم من التوحيد وسائر المقامات .
فأقبل أوّلا إلى أهل بيته صلّى اللّه عليه وآله فأمطر عليهم من سماء علمه أمطار العلوم ، وأضاء قلوبهم بأضواء المعارف ، فارتوى بالعلم والهدى ظاهرهم وباطنهم ، ثمّ أقبل على