بصدق خبر من الأخبار ما لم نعلم إنّه مطابقة لما ارتسم في العقل الفعّال ، وربّ إنسان عليم يقينا « إنّ الواحد نصف الاثنين » ولم يعرف العقل الفعّال - بل ينكر وجوده - .
وبأنّ ما ذكروه من الاستدلال على ارتسام صور المعقولات في جوهر مفارق - هو خزانة معلومات النفس الناطقة - هو بعينه جار في الأحكام الكاذبة ، فيجب عليهم القول بارتسامها فيه أيضا .
بيان ذلك انّهم استدلّوا على ذلك بالفرق بين حالتي الذهول والنسيان بأنّ عند الذهول تزول الصورة التي أدركها الإنسان من قوّته المدركة دون الحافظة ؛ وعند النسيان تزول عنها جميعا ؛ فهما قوّتان إحداهما ذات الإنسان . والأخرى جوهر آخر مفارق فيه المعقولات دائمة بالفعل ، وزوال الصورة عن حافظة النفس عند النسيان عبارة عن بطلان استعدادها للاتصال به من هذه الجهة .
ثمّ إنّ الذهول والنسيان كما يجريان في الصوادق يجريان في الكواذب ، فلو كان المطابق لما ارتسم في الجوهر الذي هو خزانة المعقولات صادقا موجودا في نفس الأمر لكانت تلك الكواذب أيضا صادقة موجودة في نفس الأمر - واللازم باطل فكذا الملزوم . وذكر العلامة الحلي - طاب ثراه « 1 » - : « اني ذكرت هذا السؤال للأستاذ نصير الحقّ والدين فلم يأت بكلام مشبع » .
وبأن صدق الخبر وصحّة الحكم إن كان بمطابقته لما في نفس الأمر بمعنى « عالم الأمر » من النسب الحكميّة ، فما يكون في عالم الأمر من الأحكام يلزم أن لا تكون صادقة ، إذ لا تغاير بينها وبين ما في نفس الأمر - فلا مطابقة بينهما .
ويمكن الجواب عن الأول بأنّ حقيقة الصدق وملاكه هو غير عنوانه ورسمه وكثيرا ما يكون الشيء خفيّ الماهية وظاهر الإنيّة - كحقيقة الزمان والجسم وغيرهما والعالم بصدق الخبر بشيء من الخواصّ والعلامات لا يلزم أن يكون عالما بحقيقة صدقه ، كما إنّ العالم بوجود الزمان والجسم لا يلزم أن يكون عالما بحقيقتهما .
هامش
( 1 ) شرح تجريد الكلام : المسألة 37 من مباحث الوجود والعدم : 46 .