قلبه قصد إليه ، فذاك القصد إن كان منه لزم التسلسل - وهو محال - وإن كان من اللّه فحينئذ يعود الجبر ، ويلزمه كل ما أورده علينا ، فيبطل كلّ ما ذكره .
وأقول - ومن اللّه الهداية والعصمة - : إنّ هذا النحرير بطول عمره في البحث والتحرير لم يفرّق بعد بين ما هو مذهب الأشعري وأتباعه ، وما هو مذهب القائلين بالعلّة والمعلول ، و « إنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد » و « إن ترجيح أحد المتساويين محال إلّا لداع » و « إن الممكن من حيث إمكانه يستحيل وجوده ولا عدمه إلّا بسبب » .
وذلك لأن بناء هذا الإلزام من إبطال التحدّي على رأي أصحابه - النافين للأسباب والعلل - من جهة إن نسبة المتحدّي وغير المتحدّي إلى المتحدّى به واحدة وليس - ولا واحد منهما - مما له مدخل في وجود ذلك الأمر بوجه من وجوه المدخليّة - ككونه فاعلا أو غاية أو شرطا أو معدّا أو غير ذلك من الأسباب والشروط - فلا معنى للتحدّي بأمر غير مختصّ بواحد دون واحد .
وأمّا إذا كان ورود الفضائل والكمالات وفيضان العلوم والخيرات من اللّه على بعض النفوس والذوات دون بعض من جهة أعماله السابقة المقرّبة ، ونيّاته المتقدّمة والمهيّئة ، وفكره وذكره وطاعته وعبادته ، فلا يرد ذلك أصلا ، لأن تلك السوابق مخصّصات للعبد باستحقاق منقبة خاصّة .
وتلك السوابق وإن كانت كلّها أيضا واردة عليه من قبل اللّه ورحمته - لا منبعثة من ذات العبد - إلا أنّها تقرّبه وتزلفه إلى اللّه وتخصّصه لقبول العناية الإلهيّة ، فيصحّ لأحد على هذا الوجه دعوى النبوّة وإثباتها بالتحدّي بفضيلة زائدة على فضائل سائر الناس ، ومنقبة فائقة على مناقبهم خارجة عن حدّ طاقتهم ووسع قوّتهم وقدرتهم .
ولا يمكن حينئذ لأحد إبطال قوله بأنّ هذا المتحدّى به ليس فعلك - بل من فعل اللّه - فأيّ اختصاص له بك ؟ وأيّ منقبة حصلت لك منه دون أقرانك وأمثالك ؟
لأنّ له أن يقول : إنّ جميع الأمور وإن كانت حاصلة بقضاء اللّه وتقديره ، إلّا أنّ
تفسير القرآن الكريم — صفحة 140
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٤٠