حضركم أو تصوّرتم معونته من إنسكم وجنّكم وأعوانكم وأنصاركم وآلهتكم غير اللّه ، فإنّه لا يقدر أحد مما سوى اللّه أن يأتي بمثله .
وثانيهما : ادعوا من دون اللّه شهداء يشهدون لكم بأنّ ما أتيتم على مثله ، ولا تستشهدوا باللّه ، فإنّ من ديدن المبهوت العاجز وهجيّره أن يقول : « اللّه يشهد أني لصادق » وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم عن البحث إلّا بمثل هذا القول .
مسألة :
اعلم إنّ هذا التحدي يبطل مذهب الجبر - كما ذكره القاضي « 1 » - لأنّه مبني على تعذّر مثله ممّن يصح وقوع الفعل منه ، فمن ينفي كون العبد فاعلا أصلا لم يمكنه إثبات التحدّي أصلا ، ويلزم منه إبطال الاستدلال بالمعجزات لأنّ تعذّر وقوعها عن الغير يكون لفقد القدرة ، ويستوي في ذلك ما يكون معجزا وما لا يكون .
وأيضا - فإذا كانت الأفعال كلّها من اللّه فكلّ ما ينسب إلى العبد من التحدّي يرجع في التحقيق إلى أنّ اللّه متحدّ لنفسه ، وهو قادر على الإتيان بمثله من غير شكّ ، فيجب أن لا يثبت الإعجاز على هذا القول .
وأيضا - إنّ الرسول صلّى اللّه عليه وآله كان يحتجّ بأنّ اللّه قد خصّه بالقرآن تصديقا له في دعوى الرسالة ، فلو لم يكن من قبله تعالى لم يكن داخلا في الإعجاز ، وعلى القول لم يبق فرق بين المعتاد وغيره ، لأنّ الكلّ لا يكون إلّا من عند اللّه .
هذا هو المذكور في هذا المقام ، وهو حجّة قويّة الإلزام ، وأجاب عنه صاحب الكبير « 2 » بقوله : « إنّ المطلوب من التحدّي [ إما ] أن يأتي الخصم بالمتحدّى به قصدا ، أو أن يقع ذلك منه اتّفاقا ؛ والثاني باطل - لأن الاتّفاقيّات لا تكون في وسعه ، وعلى الأول إتيانه بالمتحدّى به موقوف على أن يحصل في
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار من أكابر المعتزلة توفى 415 ه .
( 2 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 338 .