الرابع : إنّ القرآن معجز في نفسه ، كامل في حقيقته ، كما قال سبحانه :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
[ 17 / 88 ] وعند عود الضمير إلى محمّد صلّى اللّه عليه وآله يفيد أن كونه معجزا إنّما يكمل ويتمّ عند تقدير ما يوهم نقصا في حقّه - من كونه اميّا بعيدا من العلم - حاشى الجناب المصطفوي الختمي - على القائم به وآله الصلاة والسلام - عمّا يوهم خطأ في حقّه أو نقصا في نفسه ؛ بل كما تشرّفت ذاته بالقرآن بعد النزول تشرّفت قبل نزوله بعلوم إلهيّة وأنوار عقليّة كان يتهيّا ويستعدّ بها من بين الخلائق كلهم لمشاهدة الوحي الإلهي وتلقّي القرآن من لدن حكيم عليم .
وليس كما زعمه أكثر الناس - ممّن لا اطلاع لهم على معنى النبوّة وحقيقة الرسالة - من أنه قبل البعثة لم يكن من أولى العلم - حاشاه عن ذلك - كيف - ولا شرف ولا فضيلة بالحقيقة لنفس الإنسان إلّا بالعلم والمعرفة ، وبذلك يتميّز عن الأقران ويفوق على سائر الأكوان .
وكونه صلّى اللّه عليه وآله اميّا لا ينافي أفضليّته على الخلق ، لأن علم الخط والكتابة ليس من الفضائل الكلّية والكمالات العقليّة ، بل هي من الصنائع الجزئيّة الوضعيّة المتعلّقة بإدراك الحواسّ ، وإنها كسائر العلوم الجزئيّة داثرة باندراس الحواسّ : وكلّ ما من شأنه الدثور والزوال فليس في شيء من الشرف والكمال .
الخامس : إنّ ردّ الضمير إليه - لا إلى المنزل - يوهم إمكان صدوره عمّن لم يكن مثله صلّى اللّه عليه وآله في كونه اميّا ، ولو صرف إلى المنزل لدلّ على امتناع صدوره من البشر مطلقا ؛ فهذا أولى وأوفق بقوله :
وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
.
فصل
« الشهداء » جمع شهيد من « الشهود » وهو الحضور ، سواء كان في العين أو في العلم ، بالذات أو بالتصور . ومنه قيل للمقتول في سبيل اللّه « شهيد » لأنّه يحضر