أولها : انه إذا أعيد السؤال بأنه ما السبب المرجّح في تخصيص اللطف منه تعالى للمؤمنين والمنع له عن المنافقين ، مع أن اللطف واجب عليه تعالى على أصولهم بالنسبة إلى الجميع ؟ فإن أجابوا عنه بأن سبق الكفر والإصرار أوجب ذلك من اللّه عليهم ، فلقائل أن يقول : ما الباعث لهؤلاء على الكفر والإصرار دون المسلمين مع تساوى غرائزهم وفطرهم وتساوى نسبة اللطف والإنذار والتخويف والإرشاد والنصيحة وجميع ما هو من قبل اللّه وآياته وكتبه ورسله لهم ولغيرهم ؟
فلم يبق لهم مهرب إلا الرجوع إلى الأمور الإلهية من اختلاف الغرائز بحسب الفطرة الأولى وأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة وأن الشقي منهم شقي في الأزل والسعيد منهم سعيد لم يزل كما قال تعالى
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ
[ 11 / 105 - 106 ] الآية .
وعن ثانيها : ان تمكين الشيطان من إغوائهم والتخلية بينه وبينهم دون غيرهم مع أن الكل عباد اللّه محتاجون إلى رحمته في الدنيا والآخرة ، ينافي أصولهم كوجوب الألطاف واستحالة الترجيح من غير مرجّح ، وفيه من النظر والجواب ما مرّ .
وعن ثالثها : ان تفسير الإمداد في العمى والطغيان بعدم القسر والإلجاء على فعل الخير والطاعة ، في غاية البعد فلا يصار إليه من غير ضرورة ولا ضرورة هاهنا كما علمت .
وعن رابعها : انه بعيد من وجهين : الأول عدم مساعدة اللغة كما مر من أن تفسير يمدهم بالمد في العمر ، خطأ .
والثاني : انه على تقدير صحته من جهة اللغة يفيد انه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في طغيانهم يعمهون ، فيعود الإشكال .
وأجاب بعضهم كالقاضي عن ذلك بأنه ليس المراد ذلك ، بل المراد انه يبقيهم ويلطف لهم في الطاعة فيأبون إلا أن يعمهوا .
وقد علمت أن مثل هذا الكلام في اختلاف صنع اللّه مع عباده مع تساوى الكل