أقول : جميع ما ذكروه في الاشكال والتأويل ضعيف قاصر عن الصواب ، أما الوجوه المذكورة في الإشكال فالجواب عن الأول منها : ان نسبة كل فعل إلى مصدره المباشر ، غير نسبته إلى المبدإ الفيّاض ، واللّه خالق كلّ شيء ومع هذا ينسب البعض إلى غيره كالاحراق إلى النار والتبريد إلى الماء والإضاءة إلى الشمس والمطر إلى السماء ، أو لا ترى أنّه نسب الإضلال إلى الشيطان في مواضع من القرآن ، ثمّ قال :
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
[ 45 / 23 ] وقوله :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
[ 39 / 23 ] وكذا نسب الوسواس إلى الشيطان في قوله :
يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
[ 114 / 5 ] وكذلك الهداية منسوبة إليه في آيات كثيرة مثل قوله :
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ 2 / 213 ] وقد ينسب إلى غيره كما في مثل قوله :
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
[ 7 / 181 ] وكذا نسب التوفّي تارة إلى ملك الموت كما في قوله :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
[ 32 / 11 ] وتارة إلى نفسه مثل قوله :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
[ 39 / 42 ] وكذا في كثير من النظائر . فليكن هاهنا من هذا القبيل . والوجه في الجميع واحد كما سنذكره .
وعن الثاني ان الذم في الفعل القبيح يرجع إلى المباشر ، لانفعاله به وتأثّره عنه ولا يرجع إلى فاعل الكل لتقدّسه وبراءته عن الانفعال والتغيّر ، ولكونه يفعل الأشياء لأجل الخير والحكمة والرحمة الواسعة من غير أن يعود إليه خيرها أو شرها .
ومما يبيّن ويحقّق هذا ، إنّ نسبة السواد مثلا إلى الفاعل الموجد له آكد وأشدّ من نسبته إلى القابل . لأن نسبته إلى الفاعل بالإيجاب والاقتضاء ، ونسبته إلى القابل بالإمكان والصحّة ، ومع ذلك لا يقال لموجد السواد : إنه أسود ، كما يقال لقابله ، وذلك لوجود التأثر والانحصار هاهنا دون هناك ، وكذا لا يطلق على موجد اللون والطعم الصابغ والطاعم بالمعنى الذي يطلق على المباشر . فلا يقال للباري : إنه صباغ مع أنه موجد جميع الأصباغ والألوان على أحسن الوجوه ، كما في قوله : ومن أحسن من اللّه