بإبرة طبق الأجفان بالاضطرار ولو أراد أن يتركه مفتوحا لا يقدر مع انّ تغميض الأجفان فعل إرادى لأنه مسبوق بشعور وإرادة ، ولكنّه إذا تمثّل صورة الإبرة في مشاهدته بالإدراك ، حدثت الإرادة للتغميض ضرورة وحدثت الحركة بها ، ولو أراد أن يترك ، لم يقدر عليه مع انّه فعل بالقدرة والإرادة فقد التحق هذا بالفعل الطبيعي في كونه ضروريّا .
وأما الثالث وهو المسمّى بالاختياريّ - ويقال له بالقصد - فهو مظنّة الالتباس كالكتبة والمشي . وهو الذي يقال فيه : إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، وتارة يشاء وتارة لا يشاء .
فيظنّ من هذا إنّ الأمر إليه ومبناه الجهل بمعنى الاختيار فليكشف عنه ، وبيانه إنّ الإرادة مع العلم الذي يحكم بأنّ الشيء موافق لك ، فإنّ الأشياء تنقسم إلى ما يحكم مشاهدتك الظاهرة أو الباطنة بأنّه يوافقك من غير تردّد وتحيّر وإلى ما يتردّد العقل فيه فالذي يقطع به من غير تردّد كما يقصد عينك بإبرة أو بدنك بسيف ، فلا يكون في علمك تردّد في أنّ دفع ذلك خير وموافق لك ، فلا جرم ينبعث الإرادة بالعلم والقدرة بالإرادة ويحصل حركة الأجفان بالدفع وحركة اليد بدفع السيف وذلك من غير رويّة وفكر .
ومن الأشياء ما يتوقّف التمييز والعقل فيه فلا يدرى إنّه موافق أم لا ، فيحتاج إلى رويّة وفكر حتّى يتبيّن إنّ الخير في الفعل أو الترك ، فإذا حصل بالفكر انّ أحدهما خير التحق ذلك بالذي يقطع به انّه خير من غير رويّة وفكر وانبعث الإرادة هاهنا كما ينبعث لدفع حوالة السيف والسنان من غير رويّة وفكر .
فإذا انبعثت الإرادة للفعل الذي ظهر للعقل انّه خير ، سميّت هذه الإرادة اختيارا مشتقّا من الخير أي هو انبعاث إلى ما ظهر للعقل انّه خير وهو عين تلك الإرادة ولم ينتظر في انبعاثها إلّا إلى ما انتظرت تلك الإرادة وهو ظهور خيريّة الفعل في حقه ، إلا إنّ الخيريّة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 402
مساهمون: محمد خواجوى
ص٤٠٢