تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
وهو المسمّى عندهم بالكسب . قلت : لو انكشف لك الغطاء ، لعرفت إنّ الإنسان في عين الاختيار مجبور فهو إذن مجبور على الاختيار وإنّه مضطرّ في صورة مختار . وهذا كما ورد في الحديث الذي مرّ ذكره عن الصادق عليه السلام « 1 » : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » وهذا معنى ما قيل : الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار بل يؤكّده ، يعنى : إنّ الاضطرار في الاختيار يؤكّد وجود الاختيار ، لأن الشيء ما لم يجب وجوده لا يوجد ، فالاختيار أيضا من جملة الأشياء الممكنة التي في وجودها أن يصير أولا واجبا حتّى يتحقّق ، وإذا وجب الاختيار حتّى يوجد ، فقد سبقه الاضطرار المؤكّد لوجوده . وإن أردت أن تفهم معنى الاختيار ، فإنّ أكثر الناس جاهلون بمعناه فلنشرح إيّاه شرحا وجيزا فنقول : لفظ الفعل يطلق في الإنسان على ثلاثة أوجه ، إذ يقال : الإنسان يكتب بالإصبع ويتنفّس بالرئة والحنجرة ، ويخرق الماء إذا وقف عليه بجسمه ، فهذه أنحاء من أفاعيله في هذا العالم - عالم الشهادة - وله ضروب أخرى من الفعل في عالم الغيب ليس هذا المقام موضع بيانه ، فإذن ينسب إليه هاهنا الخرق في الماء والتنفّس والكتبة ، وهذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار والجبر واحد ولكنّها تختلف وراء ذلك في أمور أخرى ، فاعرب لذلك عنها بعبارات ثلاث : فسمّى خرقه للماء - عند وقوعه على وجهه - فعلا طبيعيا ، وسمّى تنفّسه فعلا إراديّا وسمّيت كتبته فعلا اختياريّا ، والجبر ظاهر في الفعل الطبيعي لأنه مهما وقف على وجه الماء انخرق لا محالة فيكون الخرق بعد التخطّى من سطح الماء إلى الماء ضروريا والتنفّس في معناه ، فإن نسبة حركة الحنجرة إلى إرادة التنفّس كنسبة خرق الماء إلى ثقل البدن ، فمهما كان الثقل موجودا وجد الانخراق بعده وليس الثقل إليه ، فكذلك ليست الإرادة ولذلك إذا قصد عين الإنسان
هامش
( 1 ) مضى في ص : 343 .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 401 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )