وقد مرّ في المفاتيح « 1 » انّه من الواجب في الحكمة أن يكون في العالم مظاهر جميع الصفات الإلهيّة فلا بدّ لكل من الوصفين المتقابلين من مظهر فالكفر ونتائجه ومباديه كالشياطين ومن ضاهاهم من الأشرار مظاهر القهر والغضب والايمان ونتائجه ومباديه كالملائكة ومن والاهم من الأخيار مظاهر اللطف والمحبّة . ثمّ لا اعتراض في تخصيص كلّ بما يخصّه لان هذا الترتيب من لوازم الوجود والإيجاد .
فإن قلت : ما ذكرته من التوحيد في الأفعال متحقّق ظاهر مهما ثبت انّ الوسائط والأسباب مسخّرات ، وكلّ ذلك ظاهر إلّا في أفاعيل الإنسان وحركاته ، فإنّه يتحرك إن شاء ويسكن إن شاء فكيف يكون مسخّرا في فعله .
فنقول : اعلم إنّه لو كان الإنسان مع هذا بحيث يشاء إن شاء ولا يشاء إن لم يشاء ، لكان هذا مزلّة القدم وموقع الغلط ولكن علمته إنّه يفعل إذا شاء وما يشاء يشاء شاء أم لم يشاء .
فليست المشيّة إليه إذ لو كانت إليه لافتقرت إلى مشيّة أخرى وتسلسل الأمر إلى غير النهاية وإذا لم يكن المشيّة إليه بل مهما وجدت المشيّة التي شأنها تصريف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة ، ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة ، فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة ، والقدرة محرّكة ضرورة عند انجزام المشيّة ، والمشيّة تحدث ضرورة في القلب ، فهذه ضروريات مترتّبة بعضها على بعض ، وليس للعبد أن يدفع وجود المشيّة ولا انصراف القدرة وانبعاثها إلى المقدور بعدها ولا وجود بعث المشيّة للقدرة فهو مضطرّ في الجميع .
فإن قلت : فهذا جبر محض والجبر يناقض الاختيار ، وأنت لا تنكر الاختيار وكونه سببا للفعل ، لا كما زعمته الأشاعرة القائلين بوجود الاختيار من غير أن يكون له سببيّة
هامش
( 1 ) راجع المشهد الثاني والثالث من المفتاح السابع .