وهو الأصل الذي لم يقف كافّة الخلق على كنه معناه إلّا الراسخون ، وليس عند غيرهم منه إلّا مجرد لفظه مع نوع تشبيه له بقدرتنا وهو بعيد عن الحقّ ، وبيان ذلك يطول ولكن لا يتقدّم متقدّم ولا يتأخرّ متأخر إلّا بالحقّ واللزوم . فكذلك جميع أفعال اللّه المترتّبة فإنّ لها ضربا آخر من التقدّم لبعضها على بعض ، غير التقدّم المسمّى عند الفلاسفة بالتقدّم بالطبع ، وغير الذي سمّوها التقدّم بالعليّة فإنّهما متّحققان بين المهيّات بعضها مع بعض بواسطة . وهذا الذي كلامنا فيه تقدّم وتأخّر بين الموجودات التي هي أنوار مترتّبة في الإفاضة عن الحقّ ، أو بين مراتب تنزّلات الحقّ الأوّل ، وقد سمّينا هما التقدّم والتأخّر بالحقيقة بالاعتبار الأول والتقدّم والتأخّر بالحقّ بالاعتبار الثاني ، وهذا ممّا لا يظهر إلّا للخواصّ المكاشفين بنور الحقّ ولا ينفع ذكره للحمقاء الجاهلين المجانين إلّا فتنة وتحريكا لسلسلة جنونهم وحلّا لعقائد ظواهر الشريعة عن ألسنتهم وأيديهم .
وبالجملة فلو لا الترتيب بين الموجودات ، لبطل النظام ولم يكن الغايات مترتّبة على الأشياء ولكان فعل اللّه على ذلك التقدير الذي توهّمه جماعة من الناس كأصحاب أبي الحسن الأشعري وغيرهم عبثا وهذارا وهباء ولعبا قال تعالى
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
[ 44 / 38 - 39 ] .
فكلّ ما بين السماء والأرض على ترتيب واجب وحقّ لازم لا يتصور أن يكون إلّا كما حدث وعلى الترتيب الذي حدث فما تاخّر متاخّر إلّا لانتظار ما يتوقّف عليه ويشترط به والموقوف بعد الموقوف عليه والشرط قبل المشروط .
وعكس هذا الترتيب وخلافه محالان والمحال لا يوصف بكونه مقدورا فلا يتاخّر العلم عن النظر إلا لفقد شرط الحياة ، ولا يتاخّر عنها الإرادة بعد العلم إلّا لفقد شرط العلم وكل ذلك على منهاج الواجب وترتيب الحقّ ليس في شيء من ذلك لعب واتّفاق ، بل كل ذلك بحكمة وتدبير .
وتفهيم ذلك عسير على الأفهام غير يسير وللفرق بين سبب به وسبب منه وإطلاق