وأمّا حلّ الشبهة فهو إنّ الفائض من الباري جلّ اسمه ليس إلّا نور الوجود والرحمة وهذا النور ينقلب ظلمة من جهة خصوصيّة بعض القوابل المظلمة بواسطة هيئات ردية غاسقة كالشمس التي شأنها الإضاءة والتنوير للأشياء المحاذية لها وإفادة الحياة وإنعاش الحرارة الغريزيّة للمركّبات لكنها قد يوجب اسوداد بعض الأجسام وتعفين بعض الموادّ الفاسدة لخصوصيّة عروض الهيئات المفسدة العائقة لها عن قبول الصلاح والاعتدال والحكماء ذكروا في رفع شبهة الثنويّة انّ الأشياء على خمسة احتمالات .
أحدها : الخير الذي لا شرّ فيه أصلا .
والثاني : الشرّ الذي لا خير فيه أصلا .
والثالث : ما يكون خيريّته غالبة على الشريّة .
والرابع : عكس ذلك .
والخامس : ما يتساوى فيه الأمران وذات الواجب الخيّر لمّا لم يجز أن يصير مبدءا للشرور وجب أن لا يصدر عنه من هذه الأقسام إلّا قسمان ، أي الأول الذي لا شريّة فيه والقسم الثالث الذي خيريّته غالبة على شريّته لأنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شرّ كثير .
فنقول : الثنويّة القائلة بأن اللّه لا يصير مبدءا لما فيه شرّ أمكن إلزامهم وقد تفاخر أرسطو وزير إسكندر الرومي الملقّب عندهم بالمعلم الأول بذلك الكلام . فإن قال قائل : انّه فقد جاز أن يصدر عن الأول تعالى خيرا محضا مبرءا عن الشر ؟ فيقال : إنّ هذا لم يكن جائزا في مثل هذا القسم من القسمين المذكورين وإن كان جائزا في الوجود المطلق على أنه ضرب منه غير هذا الضرب ، وذلك ممّا قد فاض عنه تعالى كالموجودات العلويّة والملائكة السماويّة والنفوس الشريفة والعقول القادسة ، وبقي هذا النمط في الإمكان ولم يمكن ترك إيجاده لأجل ما يخالطه من الشرّ ، لما علمت من أن تركه شرّ الشرّين فكونه خير الشرّين فالكلّ من عند اللّه .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 399
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٩٩