والحقّ أنّ هذا الختم موجود لبعض الكفّار لا للجميع ، وهو بمنزلة طبيعة جبليّة 276 لذلك البعض مستحيل الانفكاك عنه ، وتقريره : إنّ الذي يحصل منه الكفر ، إمّا أن لا يكون قادرا على تركه ، أم يكون . فعلى الأول كانت مبدأ الكفر صفة لازمة له من غير اختياره وعلى الثاني كانت نسبة قدرته إلى فعل الكفر وتركه على السواء ، فإمّا أن يكون صيرورتها مصدرا لأحد الطرفين دون الآخر يتوقّف على انضمام مرجّح أولا ، وعلى الثاني يلزم صدور الممكن من غير مرجّح ، وتجويزه يؤدّى إلى القدح في الاستدلال بالممكن على المؤثّر وينسدّ منه باب اثبات الصانع وذلك باطل .
وعلى الأوّل إمّا أن يكون المرجّح من فعل اللّه أو من فعل العبد وعلى الثاني يلزم التسلسل في الأفعال الاختياريّة للعبد وهو محال ، وعلى الأول وهو كون المرجّح ولنسمّه الختم ، من فعل اللّه يلزم المطلوب .
فنقول : إذا انضمّ ذلك المرجّح إلى تلك القدرة ، فإمّا أن يصير صدور الكفر واجبا أو جائزا أو ممتنعا . والأخيران باطلان فتعيّن الأول . أما بطلان كونه جائزا فلأنّه لو كان جائزا لكان يصحّ صدوره في وقت وتركه في وقت آخر . فلنفرض وقوعه - إذ المفروض جوازه والجائز ما لا يلزم من فرض وقوعه محال - فذلك المجموع تارة يترتّب عليه الأثر وأخرى لا يترتّب عليه ، واختصاص أحد الوقتين بترتّبه عليه ، إمّا أن يتوقّف على انضمام قرينة إليه أو لا يتوقّف ، فإن توقّف كان المرجّح هو ذلك المجموع مع هذه القرينة الزائدة لا ذلك المجموع ، والمفروض خلافه - هذا خلف .
وأيضا فيعود التقسيم في هذا المجموع الثاني ، فإن توقّف على قيد آخر لزم التسلسل وهو محال وإن لم يتوقّف حصل ذلك المجموع بحيث يكون مصدرا تارة للأثر وأخرى لا يكون كذلك مع انّه لم يتميّز أحد الوقتين بأمر لا يكون في الوقت الآخر عنه فيكون هذا قولا بترجّح الممكن لا عن مرجّح . وهو محال .
فثبت أنّ عند حصول ذلك المرجّح يستحيل أن يكون صدور ذلك الأثر جائزا
تفسير القرآن الكريم — صفحة 352
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٥٢