قوله جل اسمه : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 7 ]
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 7 )
لمّا وصف اللّه تعالى الكفار بأخصّ صفاتهم التي كانوا عليها وهو عدم تأثّرهم عن الانذار والنصيحة والتهذيب والتعليم للايمان ، بيّن في هذه الآية السبب الذي لأجله لا ينجع فيهم الانذار ولا يؤثّر فيهم التعليم ، وهو الختم على القلوب للقساوة والفظاظة الأصليّة والغشاوة على الأسماع والأبصار للصمم والبكم الفطريّة . وأنت تعلم إنّ نظام الدنيا لا ينصلح إلّا بنفوس غليظة وقلوب قاسية وطبائع جاسية .
فلو كان الناس كلّهم سعداء بنفوس خائفة من عذاب اللّه وقلوب خاشعة خاضعة لآياته ، وطبائع لطيفة منفعلة ، لاختلّ النظام بعدم القائمين بعمارة هذه الدار من النفوس الغلاظ الشداد كالفراعنة والدجاجلة والنفوس المكّارة كشياطين الانس والنفوس البهيمية كجهلة الكفّار .
و
في الحديث الربّاني : إنّي جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم ،
وقال سبحانه :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ 32 / 13 ] .
فكون الناس على طبقة واحدة ينافي الحكمة والعناية وهو إهمال سائر الطبقات الممكنة الوجود في مكمن الإمكان من غير أن يخرج من القوّة إلى الفعل ، وخلّو أكثر مراتب هذا العالم عن أربابها ، فلا يتمشّى النظام ، ولا ينصلح العمارة إلّا بوجود الأمور